فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 258

خطابٍ مهين، تعالى الله عنه, وقد بيَّن، جلَّ جلاله، إعراضه عن القسم بصيغة نفي القسم (لا أقسم) .

ويتجلَّى هذا الغرض في أغلب مواضع نفي القسم في سور (الواقعة والحاقَّة والتكوير والانشقاق)

وممَّا له علاقة بهذا الغرض، أنْ لا يكون في الخطاب قسمٌ يحطّ من قُدرة المُقْسِم أو صفاته، وتنفرد الآيات الكريمة في سورة المعارج بتجلية ذلك وتأكيده. قال تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ*عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} [1] لقد

أَقْسَمَ الله، سبحانه وتعالى، في كتابه العزيز على أمورٍ كثيرةٍ، كالقسم على توحيد ربوبيته [2] ، والقسم على صدق النبوَّة وحقيقة الرسالة [3] ، والقسم على أنَّ القرآن حقٌّ [4] ، وغير ذلك من الأمور [5] . لكنَّنا لا نجد من بين ما أَقْسَمَ الله تعالى عليه أنَّه أَقْسَمَ على عموم قدرته وكمالها، فالقسم الصريح على القدرة الإلهية غير موجودٍ في القرآن الكريم، ولكنَّنا نجد كثيرًا من الآيات التي فيها دلائل على القدرة الإلهية وإشارات إليها, ودعانا الله إلى التفكُّر في مخلوقاته، جلَّ جلاله، ومنها خلق السموات والأرض، فنحن نشاهد بأعيننا ونلمس بحواسِّنا ما هو أكبر من خلق الناس عند الله وهو خلق السموات والأرض، قال الله تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [6] ، وقال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [7]

هذا فضلا عن أنَّنا لا نجد في القرآن الكريم قسمًا على صفةٍ من صفات الله، جلَّ جلاله، كعلمه، جلَّ شأنه, وحكمته، وجبروته ... إلى آخره، لأنَّ صفاته، تبارك وتعالى، أكبر وأعظم من أنْ تُؤَكَّد وتُثْبَت بالقسم. والقسم على إثباتها حطٌّ منها لا يليق بمقام المُقْسَمِ جلَّ شأنه, ولاسيَّما أنَّ الحقَّ، عزَّ وجلَّ، قد أقسم في كتابه العزيز, وظلَّ الضالُّون المُكَذِّبون مُنْكِرين لما أَقْسَم الله

(1) المعارج: 40 - 41

(2) ينظر الآيات: 1 - 5 سورة الصافات.

(3) ينظر الآيات: 1 - 3 سوره يس

(4) ينظر الآية: 23 سورة الذاريات.

(5) ينظر أساليب القسم في اللغة العربية (443 - 464)

(6) غافر: 57

(7) الأحقاف: 33

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت