فلا يكون جوابها إلا منفيًا، والأمر فيها كما قال، من قال إنَّها إيذانٌ بالنفي وتوكيدٌ له، وأمَّا (لا أُقْسِمُ) ، فالأمر فيها مختلف, فإنَّ جوابها يكون مثبتًا ومنفيًا, ولم يَرِدْ في القرآن الكريم إلا مثبتًا.
وهذا التعبير أي القسم، لونٌ من ألوان الأساليب في العربية، تُخْبِرُ صَاحِبَك عن أمرٍ يَجْهَله أو يُنْكِره, وقد يحتاج إلى قسمٍ لتوكيده، لكنَّك تقول له: لا داعي لأنْ أحلف لك على هذا، أو لا أُرِيْد أنْ أحلف لك أنَّ الأمر على هذا الحال، ونحوه مُسْتَعْمَل في الدارجة عندنا: نقول: ما أَحْلِفُ لك أنَّ الأمر كيت وكيت، أو ما أَحْلِفُ لك بالله، لأنَّ الحلفَ بالله عظيمٌ إنَّ الأمر على غير ما تظنُّ، أو ما أكول والله إنَّ الأمر كذا وكذا (أي لا أقول والله) ، فأنت تخبره بالأمر، وتقول له لا داعي للحلف بالمعظَّمات، على هذا الأمر, فأنت أخبرته ما أردت أنْ تُخْبِره به، وعظَّمت له ما أردت أنْ تُعَظِّمه ممَّا يستحق أنْ تُقْسِمَ به, ثم تقول له: إنَّني لا أُرِيد أنْ أُقْسِم لك بما هو عظيمٌ على هذا الأمر )) [1] .
لَمْ يكنِ الحال في هذه الآية الكريمة كغيرها من الآيات التي استدلَّ بها النَّحويُّون والمفسِّرون على زيادة (لا) ، فقد تعدَّدت الآراء في إعراب (لا) من (ألا تُشْرِكُوا) ، وفي معناها.
وفي إيْضَاح معنى الآية وأوجه إعرابها، قال الطبريُّ: (( تعالوا أيُّها القوم أقرأ عليكم ما حَرَّمَ ربُّكم حقًا يقينًا لا الباطل تخرصًا كخِرْصِكُم على الله الكذب والفِرية ظنًّا، ولكنْ وحيًا من الله أوحاه إليَّ وتنزيلا أنزله عليَّ(ألا تُشْرِكُوا بالله شيئًا من خلقه، ولا تَعْدِلوا به الأوثان والأصنام ولا تعبدوا شيئًا سواه، وبالوالدين أحسانًا ... ) وأمَّا (أنْ) في قوله: {أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} فرفعٌ لأنَّ معنى الكلام (قُلْ تَعَالوا أَتْلُ ما حرَّمَ رَبُّكُم عليكم هو أنْ لا تُشْرِكُوا به شيئًا) وإذا كان ذلك معناه كان في قوله (تُشْرِكُوا) وجهان: الجزم، وتوجيهه (لا) إلى معنى النهي. والنصب على توجيه الكلام إلى الخبر ونصب تُشْرِكُوا بـ (أنْ لا) كما يُقَال أَمَرْتُك أنْ لا تَقُوم. وإنْ شِئْتَ جعلت
(1) معاني النحو (4/ 173 - 175)
(2) الأنعام: 151