الغرض الخامس
الدَّلالَةُ عَلَى شِدَّةِ ظُهُوْرِ المُقْسَمِ بِهِ وعِظَمِ بَيَانِهِ وتَسْفِيْهِ مَنْ غَفَلِ عَنْه
لقد أخرجت هذا الغرض على أساس أنَّ في صيغة نفي القسم تلويحًا بالقسم مع عدولٍ عنه لشدَّة ظهور المُقْسَم به ظهورًا لا يمكن أنْ يخفى أو أنْ تخفى دلالته. أي أنَّ الأمر الذي نُفِيَ القسم به في آيات نفي القسم واضحٌ جليٌّ لا يحتاج إلى قسمٍ للفت الانْتِبَاه إليه، فـ (( هذا التلويح بالقسم مع العدول عنه أوقع في الحسِّ من القسم المباشر وهذا الوقع هو المقصود من العبارة وهو يتمُّ أحسن تمامٍ بهذا الأسلوب الخاص ) ) [1] ، أسلوب نفي القسم.
وقد وجدت هذا الغرض في خمسة مواضع من مواضع نفي القسم، ولكي نلحظ فيها هذا الغرض لا بدَّ من أنْ نرجِّح معنى ظهور المُقْسَمِ به ووضوحه وعظمة خلقه وجلائه أمام الأعين.
ففي قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ} [2] نفي القسم من الله، جلَّ جلاله، بما يُبْصر الناس ويرونه، وهو كثيرٌ جليٌّ دالٌّ على قدرة الله وعلى وحدانيته ووجوده بما لا يدع مجالا أمام الإنسان العاقل إلا أنْ يؤمن بوجود خالقٍ مدبِّرٍ جليلٍ عظيمٍ وراء كلِّ ما تراه عينه من مشاهد العظمة في هذه الحياة، وقد ذكر الله جلَّ جلاله كثيرًا من الأمور التي نراه، تبارك وتعالى، من خلالها وتدلُّنا على وجوده ودعانا إلى التفكُّر بها والتدبُّر فيها. قال تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ*خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ*وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [3] ... هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ*يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ*وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ*وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ*وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ
(1) في ظلال القرآن (29/ 205)
(2) الحاقة: 38
(3) النحل: 3 - 5