وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ*وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [1] .
فبماذا يُقْسِم الله، جلَّ جلاله، من هذا الكثير الواضح المُبْصَر من الإنسان؟ أبالشمس أم بالقمر أم بالنجوم. بالسماء أم بالأرض؟ ... إلى آخره ممَّا لا يمكن إحصاؤه ممَّا تراه العين المجرَّدة، فضلا عمَّا وصل إليه العلم الحديث فأصبح الإنسان يرى من المخلوقات المجهريَّة التي تُكبَّر آلاف المرات حتَّى يستطيع أنْ يُبْصِرها فكان دليلا أعمق وأكبر على قدرة الله المُعْجِزة.
وأمام هذا الإنجاز العظيم من خَلْق الله المُبْصَرِ من الإنسان يرى الإنسان ويُبْصِر عجزه أمام قدرة الله وأمام أنْ يخلق شيئًا، وإنْ كان تافهًا حقيرًا في نظر الإنسان وقد خلقه الله، وتحدَّاهم جلَّ شأنه أنْ يخلقوا ذبابة، ويعلم، جلَّ جلاله، عجزهم وضعفهم عمَّا هو دون ذلك وفوقه. قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [2]
وقد ورد نفي القسم بمواقع النجوم وطلوعها وجريانها وغروبها في قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [3] ، وقوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} [4] ، وقوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ*الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} [5] والمقصود بالنجوم الكواكب التي في السماء (( ويرجِّح هذا القول أيضا أنَّ النجوم حيث وقعت في القرآن فالمراد منها الكواكب كقوله تعالى: {وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} [6] ، وقوله: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ} [7] ) [8]
ففي سورة الواقعة، إذا نظرنا من وجهة هذا الغرض نجد أنَّ الله، جلَّ شأنه، بعد أنْ ذكَّرنا بمظاهر قدرته، نفى القسم بمواقع النجوم لشدَّة ظهورها، ولاسيَّما في بيئة العرب الأولى, فالسماء باديةٌ في البادية، واضحةٌ في الليل، لا يكاد يعكِّر صفوها معكِّر، والبدويُّ كثير التأمُّل في السماء والنجوم، فالله، جلَّ جلاله، نفى القسم
(1) النحل: 10 - 15
(2) الحج: 73
(3) الواقعة: 75
(4) المعارج: 40
(5) التكوير: 15
(6) الطور: 49
(7) الأعراف: 54، وينظر الرحمن: 6، الطارق: 3، النحل: 12، النجم: 1، ... وغيرها من المواضع.
(8) التبيان في أقسام القرآن (137)