فهرس الكتاب

الصفحة 210 من 258

بمواقع النجوم لأنَّها عظيمةٌ في بيانها عن وجود خالق عظيم لهذا الكون مدبِّر أمره واضع قوانينه، ولكنَّ الكافرين المنكرين غافلون عن عظمة هذا الأمر مع شدَّة وضوحه, قال تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ*وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [1] ، وقال تعالى: {وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [2] . ففي هذه الآيات الكريمة دليلٌ على أنَّ النجوم ومواقعها وتحديدها للمواقع أمرٌ في مرأى الإنسان وعلمه، بل سُخِّرت ليُدْركها ويستخدمها فيهتدي بها منذ القدم, ومع أنَّ المعلومات عن الفلك تتطوَّر من عصرٍ إلى عصر، ولكنَّ الله جلَّ شأنه يُخاطب بالقرآن الكريم الناس في كل الأمكنة وعلى مدى الأزمنة، فما رآه الإنسان في العصور القديمة مبسَّطا وفيه عظمة مواقع النجوم، رآه وسيراه أجلى وأدقّ مع مضي الزمان وتطور العلم، وستبقى الآيات نفسها تخاطبه.

ومن وجهة هذا الغرض، يمكننا أنْ نرى في قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} [3] نفيًا من الله، جلَّ جلاله، للقسم برب (المشارق والمغارب) لشدَّة وضوح المشارق والمغارب، وتكرار هذا الحدث يوميًا على أرجاء المعمورة كلِّها، ففي كلِّ لحظة يوجد مشرق ومغرب في نقطة ما على هذا الكوكب. ألا يدلُّ ذلك على وجود ربٍّ لهذه المشارق والمغارب مع ما يرى فيها من دقَّةٍ في الموعد وثباتٍ في الظهور والغياب؟ ألا يلفت ذلك الأمر الذي يرونه أمامهم يوميًا مشهدًا عظيمًا من مشاهد القدرة الإلهية انْتِبَاههم إلى وجود الله؟

ولكن مع تكرار هذا المشهد العظيم وشدَّة وضوحه ودلالته على وجود ربٍّ خالقٍ عظيمٍ يتكرَّر إنكار المشركين وكفرهم, فالله، جلَّ جلاله، لن يُقْسِم لهم مع إنكارهم المتكرِّر، لأنَّهم يرون بوضوح هذا المشهد اليوميّ المُعْجِز الذي لا يدلّ إلا على وجود إلهٍ مدبِّرٍ خالقٍ. وكأنَّ نفي القسم بربِّ المشارق والمغارب، أي ربّ هذا المشهد الكونيّ العظيم المتكرِّر، لتكرار إنكارهم وصدِّهم عن الإيمان بالله مع شدَّة وضوح بيان هذه الآية المُعْجِزة التي لا تحتاج إلى القسم بها للفت الانْتِبَاه إليها.

(1) الأنعام: 96 - 97

(2) النحل: 16

(3) المعارج: 40

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت