ومن وجهة هذا الغرض، يمكننا أنْ نرى في قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ*الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} [1] أنَّ الله، جلَّ جلاله، قد نفى القسم بالخنَّس الجوار الكنس (( والخنَّس هي الكواكب إذا طلع عليها النهار خنست أي غابت واخْتَفَت معالمها عن الأنظار، والجوار الكنَّس هي هذه الكواكب في حال ظهورها بالليل ثم تغيُّبها في الأفق الغربي بفعل حركة الأرض ودورانها اليومي من الغرب إلى الشرق ) ) [2] . وظهور هذه الكواكب في الليل وكنوسها واختفاؤها في النهار أمر جليّ واضح، ظاهر للعيان، متكرِّر مع طلوع الشمس وغيابها وظهور القمر واخْتِفَائه, فالله، جلَّ شأنه، لا يُقْسِم بهذا الأمر لجلائه ووضوحه وكثرته من تكراره يوميًا أمام أنظار الناس أجمعين، فهي آيةٌ واضحةٌ صريحةٌ دالَّةٌ معبِّرةٌ مُعْجِزَةٌ، فما يكون من المشركين إلا التكذيب والإنكار مع عظمة هذه الآية ووضوحها وجلائها جلاءً يكاد ينطق بوجود إلهٍ مدبِّرٍ خالقٍ مالكٍ لكلِّ شيء.
ومن وجهة هذا الغرض أيضًا نلحظ الأمر نفسه في قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ*وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ*وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} [3] إذ ينفي الله، عزَّ وجلَّ، القسم بالشفق (( وهو الصفرة المشوبة بحمرة, تعلو وجه النهار عند الغروب وهو إيذانٌ بدخول الليل، ولهذا جاء الليل معطوفًا على الشفق ... {وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ} إشارة إلى ما يحمل الليل من نجومٍ وكواكبٍ كما أنَّه يحمل كلَّ هذه الكائنات التي كانت تتحرَّك بالنهار فيضمُّها إلى جناحه ويحملها على صدره ... {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} أي إذا اكْتَمَل وصار بدرًا ... وفي الجمع بين الشفق والليل والقمر مراعاة للمناسبة الزمنيَّة الجامعة بينهما، فالشفق أوَّل الليل في الأفق الغربيّ، والقمر أوَّله في الأفق الشرقيّ، حيث يكون اتْسَاقه وكماله وهو بدر في الليلة الخامسة عشرة، فالمُقْسَمُ به الواقع عليه النفي, هو هذا الظرف الزمنيّ, وهو ليلة انْتِصَاف الشهر القمريِّ, حيث تغرب الشمس ويطلع القمر أو حيث يولِّي سلطان الشمس ويقوم سلطان القمر ) ) [4] ، وقد نفي القسم بهذه الآيات لشدَّة وضوحها وعجز المُنْكِرين عن الإتيان بمثل هذه الآيات أو حتَّى تبديل قانونها, على نحو قول إبراهيم، عليه السلام، للذي حاجَّه في ربِّه: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [5] .
(1) التكوير: 15
(2) التفسير القرآني للقرآن: (8/ 1472)
(3) الانشقاق:16 - 18
(4) التفسير القرآني للقرآن (8/ 1507)
(5) البقرة: 258