الغرض السابع
ضَرُوْرَة كَوْن المُقْسَم بِهِ ظَاهِرًا أَوْ مُدْرَكًا
وفيه دلالة على أنَّ ما نُفِيَ القسم به مُغَيَّب، أي أنَّ الله تبارك وتعالى لا يُقْسِمُ ليلفت الأنظار والأذهان إلا بشيءٍ واضحٍ ظاهرٍ غير مُسْتَتِر عن المُتَلَقِّي أو بشيءٍ مُدْرَكٍ محسوم أمر وجوده وصفته عند المُخَاطَب.
والله تبارك وتعالى يؤكِّد لنا ذلك بنفي القسم بما لا يُبْصَر أو لا يُلْمَس أو لا يُدْرَك في عددٍ من مواضع نفي القسم، ومن المواضع التي فيها إشارات واضحة إلى ذلك:
قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ*وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [1] ، وقوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ*وَمَا لَا تُبْصِرُونَ} [2] ، وقوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [3] .
وهذا الغرض أو هذه الدلالة في صيغة نفي القسم مبنيٌّ على أساس فهم بناء القسم وطريقة تكوينه ليؤدِّي مُهِمَّته وغرضه، أي غرض القسم، وقد أوضحت في الفصل الأوَّل عدَّة أمورٍ وقضايا عن القسم يقتضي السياق هنا التذكير بها أو الاسْتِنْتَاج من مُجْمَلِها.
فمن الضرورات في بناء القسم أنْ يختار المُقْسِم مُقْسَمًا به ظاهرًا أو مُدْرَكًا عند المُخَاطَب بالقسم ليُثْبِتَ أو يُؤَكِّد أمرًا مغيَّبًا خَفِيَ عن المُخَاطَب فلَمْ يُدْرِكْه، والأمر المنطقيُّ الذي لا بدَّ منه أنْ يُقْسِم المُقْسِمُ بمُقْسَمٍ به جليٍّ شديد الظهور أمام عين المُخَاطَب بالقسم أو حواسِّه، أو أمرٍ مُدْرَكٍ يصدِّقُه المُخَاطَب ويُؤمن به للتدليل على صحَّة ما غاب عن حواسِّ المُخَاطَب أو ما كان يَنْفيه ويُنْكِره عند القَسَم.
(1) الواقعة:75 - 76
(2) الحاقة: 38 - 39
(3) القيامة: 1