وهذه الضرورة منطقيَّةٌ دلاليَّةٌ وبلاغيَّةٌ: إنَّها إسنادٌ للمُتَأرجح على الثابت في ذهن المُخَاطَب فيستند المُقْسِمُ على ما هو ثابتٌ راسخٌ عند المُخَاطَب ليُثْبِت ما كان مُؤَرْجَحًا مُخَلْخَلا في ذهنه وقت القسم، ويُشَابِه ذلك ما يكون في تشبيه المعقول بالمحسوس (((كالمنيَّة والسبع) حيث شبِّهت به، فإنَّ المنيَّة وهي الموت عقليَّةٌ، إذ هي عدم الحياة عمَّن اتَّصف بها ... ومشبَّهٌ به محسوسٌ وهو السبع وهذا حسيٌّ .. لأنَّ تشبيه المنيَّة بالسبع من جهة الافْتِرَاس )) [1] . والعقليُّ هو ما يُدْرَك بمجرَّد العقل، والحسيُّ هو ما تُدْرَك جزئيَّاته بإحدى الحواسِّ الخمس [2] .
وقد (( كَثُرَ في القرآن الكريم إيضاح الأمور المعنويَّة بالصور المحسوسة المرئيَّة، من ذلك قوله تعالى: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [3] يشبِّه الله عبَّاد الوثن حينما يدعون آلهتهم ولا يَرْجِع هذا الدعاء عليهم بفائدةٍ، بمن يَبْسط كفَّيه للماء ليشرب فلا يصل الماء إلى فمه ما دامت كفَّاه مبسوطتين، وقوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً} [4] يُصَوِّر القرآن حال الكفَّار الذين يدعون أوثانهم فلا تفهم ولا تُجِيْب بحال الناعق الذي يصوِّت للأغنام فلا تفهم فيه إلا دويَّ الصوت ) ) [5]
وفي قوله تعالى: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} [6] شاهدٌ ناطقٌ على تقريب المعقول، وهو صدق هذا الحديث، القرآن الكريم، مقارنًا بحقيقةٍ ملموسةٍ واضحةٍ (( كونهم ينطقون، حقيقة بين أيديهم، لا يجادلون فيها ولا يمارون، ولا يرتابون فيها، ولا يخرصون، وكذلك هذا الحديث كلُّه، والله أصدق القائلين ) ) [7] .
ومن كلِّ هذه الآيات الكريمة وما يُمَاثلها في القرآن الكريم، وهو كثيرٌ، نجد إيضاح الأمور المعنويَّة بصورٍ محسوسةٍ مرئيَّةٍ وقريبةٍ من حواسِّ
(1) شروح التلخيص (3/ 311) ، وينظر مختصر المعاني (188 - 189) ، الطراز (3/ 339 - 340) ، جواهر البلاغة (250)
(2) ينظر شروح التلخيص (3/ 311)
(3) الرعد: 14
(4) البقرة: 171
(5) البيان في ضوء أساليب القرآن (43) ، ينظر معجم المصطلحات البلاغية وتطورها (2/ 173)
(6) الذاريات: 23
(7) في ظلال القرآن (27/ 20)