فهرس الكتاب
(لا) في معناها وتركيبها، والشواهد الي ذُكرت على معنى الاسْتِفتاح في (لا) هي نفسها التي استشهد بها على معنى زيادة (لا) ، والظاهر من الأمر أنَّ من اسْتَقبح أنْ يقول إنَّ (لا) زائدة في كلام الله تعالى, ولم يَسْتَقِم عنده معنى النفي فيها، حاول أنْ يبحث لها عن معنًى مفيدٍ في رأيه، يتوافق مع موقعها في بداية الكلام، فقال: إنَّها اسْتِفْتاحٌ وتنبيه.
هذا فضلا عمَّا في هذا الرأي من قسرٍ وإجحافٍ في حقِّ (لا) النافية لسلبها معناها وتوجيهها إلى حيث لا يستقيم معها المعنى في الآيات, وفتح الباب واسعًا أمام كلِّ من يريد أنْ يتأوَّل فيحقُّ له قلب معنى الحروف وتغييرها.
ورد هذا المعنى عند القاسمي في تفسيره قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [1] حين قال: (( ... وأمَّا(لا أُقْسِمُ) بتمامها صيغة من صيغ القسم, على ما ارْتَضاه بعض المحقِّقين )) [2] ، هذا الرأي لا يمكن وصفه إلا بالرأي الغريب، لأنَّه تجاهل وجود (لا) بشكل كامل, بل ألغى حتَّى معنى النفي فيها، وأدمج رسمها بـ (أُقْسِمُ) إدماجًا تعسفيًّا حتَّى ظهر له أنَّ (لا أُقْسِمُ) كلمة واحدة بمعنى (أُقْسِمُ) ، ولم يذكر مع الرأي الهدف من وضع (لا) قبل (أُقْسِمُ) ولم يذكر لها نظائر من العربية في غير القرآن الكريم.
ثم إنِّي لم أجد عند من تكلَّم من النحويين على أسلوب القسم أنَّ كلمة (لا) وكلمة (أُقْسِمُ) عندما نجمعهما فنقول: (لا أُقْسِمُ) تتكوَّن لدينا صيغة قسم. ويبدو لي أنَّها صيغةٌ مقترحةٌ على علماء النحو من جهةٍ مجهولةٍ, لأنَّه لم يُذكر في المواضع التي ورد فيها هذا الرأي قائله أو مُتَبَنِّيه، مع العلم أنَّ مواضع ذكره يُمكن أنْ تُعّدَّ على أصابع اليد الواحدة.
أمَّا قول الشيخ محمَّد عبده في تفسير قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} [3] (( إنَّ(لا أُقْسِمُ) عبارة من عبارات العرب في القسم, يُراد بها تأكيد الخبر, كأنَّه في ثبوته وظهوره لا يحتاج إلى قسم )) [4] ، فليس له صلة بهذا الرأي, لأنَّ الواضح من النص أنَّ الشيخ محمَّد عبده يتكلَّم على نفي القسم بدليل قوله: (كأنَّه في ثبوته وظهوره لا يحتاج إلى قسم) .
(1) الواقعة: 75
(2) تفسير القاسمي (16/ 5659) ، وينظر مفاهيم القرآن (9/ 400) ، الميزان (19/ 155)
(3) البلد: 1
(4) تفسير جزء عم (76)