ولمناقشة هذا الدليل، نقف عند أمرٍ مهمٍّ يُعَدُّ أصلا من أصول النحو، هو القياس، فهل زيادة (لا) في العربية قياسيَّة؟ يُجِيب عن هذا التساؤل ابْن جنِّي فيقول: (( القياس: ألا يجوز حذف الحروف ولا زيادتها ) ) [1] ، والسيوطي بقوله: (( قال ابن عصفور في(شرح المقرب) : زيادة الحروف خارجةٌ عن القياس ... قال ابْن السراج: لا زائد في كلام العرب لأنَّ كلَّ ما يُحكم بزيادته يُفيد التأكيد )) [2] .
فعند نفي القياس عن موضوع زيادة الحروف يُلْغَى وجوب الأخذ بالزيادة. إلا أنَّنا نجد النحويين قد رصدوا المواضع التي قِيل فيها عن (لا) : إنَّها زائدةٌ، وقرَّروا أنَّ هذه المواضع هي:
أـ بعد الواو العاطفة بعد نفيٍ أو نهي [3] ، وقد وردت آياتٌ كثيرةٌ أدلةً على هذا النوع
من زيادة (لا) أذكر منها: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضَّالِّينَ} [4] ، {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [5] ، {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ*ولا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ*ولا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ*وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [6] ، {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [7] ، {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ} [8]
هذه الآيات الكريمة أمثلة لزيادة (لا) بعد العطف المسبوق بنفي أو نهي، يمكن تفسير وجود (لا) في موضعها الذي ذُكِرت فيه من غير القول بزيادتها، وهذا أَوْلَى وأفضل من دعوى الزيادة فيها، إذا علمنا أنَّ (لا) الواردة بعد النفي تُغْنِي عن تكرار الفعل وإعادة
(1) الخصائص (2/ 282)
(2) الأشباه والنظائر (1/ 234 - 235)
(3) ينظر الإيضاح في شرح المفصل (2/ 365 - 366) ، رصف المباني في شرح حروف المعاني (271) ، الجنى الداني (301) ، البرهان في علوم القرآن (4/ 356)
(4) الفاتحة: 7
(5) البقرة: 105
(6) فاطر: 19 - 22
(7) فصلت: 34
(8) الأحقاف: 9، وينظر البقرة: 255، النساء: 19، 137، 168، المائدة: 103، الشورى: 52، سبأ: 37، الأحقاف: 26، الفتح: 22.