ذِكْرِه مرَّةً أخرى في الآية، فالكلام من غير ذكرها يمكن أنْ يقدَّر مثلا: (ما يودُّ الذين كفروا من أهل الكتاب وما يودُّ المشركين) ، فَذِكْرُ (لا) يفيد توكيد النفي السابق لها وتوكيد معنى الفعل في الكلمة الواردة بعد حرف العطف، وهذا ما أشار إليه ابْن جنِّي [1] ، وَذِكْر (لا) يُجَنِّبُ الحشو والتطويل اللذين لا فائدة منهما، ويكون لمعنًى لا يُؤَدَّى إلا بها، وعدم ذِكرها قد يُلْجِئ إلى التقدير الذي يُوقِع في الوهم واضْطِراب المعنى، قال ابْن القيِّم في قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} إنَّ المراد من ذكر (لا) : (( المُغَايرة الواقعة بين النوعين وبين كل نوع بمفرده، فلو لم يذكر(لا) ، وقيل (غير المغضوب عليهم والضَّالِّين) أَوْهَمَ أنَّ المراد ما غاير المجموع المركَّب من النوعين, لا ما غاير كلَّ نوعٍ بمفرده، فإذا قيل (ولا الضالين) كان صريحًا في أنَّ المرادَ صراطٌ غير هؤلاء وغير هؤلاء )) [2] . فلكلِّ نوعٍ صراطه ونهجه المختلف عن الآخر، رغم اشْتِراك الطرفين في الخلل والانحراف والبُعد عن الصراط المستقيم.
وصرَّح الزركشيُّ أنَّ (لا) الواردة بعد حرف العطف، وقبل نفيٍ أو نهيٍ، داخلةٌ (( لنفي احتمال أنْ يكون المقصود نفي مجيئهما جميعا تأكيدًا للظاهر من اللفظ ونفيًا للاحتمال الآخر فإنَّه يُفيد النفي عن كلِّ واحدٍ منهما نصًا، ولو لم يأتِ(لا) لجاز أنْ يكون النفي عنها على جهة الاجتماع ولكنَّه خلافٌ للظاهر )) [3] .
ومن النحويين من يرفض القول بزيادة (لا) بعد حرف العطف إذا كانت مسبوقةً بنفيٍ أو نهيٍ. قال ابْن هشام (((لا) المقترنة بالعاطف في نحو (ما جَاءَنِي زَيْدٌ ولا عَمْرٌو) ويُسَمُّونها زائدةً وليست بزائدةٍ البتَّة، ألا ترى أنَّه إذا قيل (ما جَاءَنِي زَيْدٌ وعَمْرٌو) احْتمل أنَّ المُراد نفي مجيء كلٍّ مِنْهُما على كلِّ حال، وأنْ يُراد نفيُ اجتماعهما في وقت المجيء، فإذا جِيْءَ بـ (لا) صار الكلام نصًّا في المعنى الأوَّل )) [4] . وقال الاسترابادي: (( وأمَّا(لا) فتُزَاد بعد الواو العاطفة بعد نفيٍ أو نهيٍ ... نحو (ما جَاءَنِي زَيْدٌ ولا عَمْرٌو) ، وهي وإنْ عُدَّت زائدةً لكنَّها رافعةٌ لاحْتمال أحد المجيئين دون الآخر ... والعجب، أنَّهم لا يرون تأثير الحروف معنويًا، كالتأكيد في الباء، ورفع الاحْتمال في (لا) هذه، وفي (مِنْ) الاستغراقية،
(1) ينظر إتقان ما يحسن من الأخبار الدائرة على الألسن (1/ 501)
(2) بدائع الفوائد (2/ 34 - 35)
(3) البرهان في علوم القرآن (4/ 356)
(4) مغني اللبيب (1/ 474)