مانعًا من كون الحروف زائدة، ويرون تأثيرها لفظيًا، ككونها كافةً: مانعًا من زيادتها )) [1] .
ونصُّ الاسترابادي هذا يدفعنا إلى القول: إنَّ صُنَّاع النحو قد غضُّوا الطرف عن المعاني في غَمْرة انْخِرَاطهم في التفتيش عن القواعد، وهذا ما أكَّده ابْن الأثير [2] في نصٍّ سابقٍ ذكرته في هذا المبحث.
وفي الآيات الكريمة التي ورد فيها الفعل (اسْتَوَى) نجد أغلب النحويين يميلون إلى زيادة (لا) معه، لأنَّه من الأفعال التي تطلب اسمين.
غير أنَّنا نستشفُّ معنًى بديعًا في قوله تعالى: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ} ، هو أنَّ الحسنات لا تستوي، أي أنَّها ليست كلّها بميزانٍ واحدٍ، ولا السيئات تستوي، فهي أيضًا ليست كلُّها بميزانٍ واحدٍ، فهناك حسناتٌ كبيرةٌ وثوابها عظيم تختلف عن الحسنات الأقلِّ، وكذلك الأمر في السيئات، فضلا عن عدم اسْتِوَاءِ الحسنة والسيئة.
والأمر نفسه في الآية الكريمة: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ*ولا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ*ولا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ*وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُِ} [3] ، فالظاهر من سياق الآية الكريمة أنَّ (لا) نافية وليست زائدةً البتَّة، لأنَّ الظلمات درجاتٌ لا تستوي، وكذلك النور، وفي الوقت نفسه لا تستوي الظلمات والنور، وهذا إعجاز في اسْتِعمال الألفاظ في القرآن الكريم. قال الزركشي: (( وأمَّا قوله تعالى: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ} فمن قال المراد أنَّ الحسنة لا تساوي السيئة، فـ(لا) عنده زائدة ومن قال إنَّ جنس الحسنة لا يستوي أفراده، وجنس السيئة لا يستوي أفراده وهو الظاهر من سياق الآية فليست زائدةً، والواو عاطفة جملة على جملة )) [4] .
ولا أعرف ما الغرض من التشبث بزيادة (لا) مع وجود هذه المعاني البديعة التي تُثْلِج الصدور وتزيد من إشراقات الآية في النفوس.
هذه إشاراتٌ موجزة إلى ما يمكن أنْ تحمله هذه الآيات الكريمة من معانٍ، وسأتكلَّم بعد إكمال عرض تصنيف النحويين لزيادة (لا) على الآيات الكريمة التي
(1) شرح الكافية (4/ 436) ، وينظر أساليب النفي في العربية (279)
(2) ينظر المثل السائر (3/ 13 - 14)
(3) فاطر: 19 - 22
(4) البرهان في علوم القرآن (4/ 357)