فهرس الكتاب
والوجه الثاني: أنْ تجعل (عليكم) مُنْفَصِلَةً ممَّا قبلها فتكون إغراءً بمعنى الْزَمُوا، كأنَّه اجتزى بقوله {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ} ، ثُمَّ قِيْل على وجه الاسْتِئْنَاف (عليكم ألا تُشْرِكُوا به شيئًا) أي عليكم تَرْكُ الإشراك وعليكم إحسانًا بالوالدين ... )) [1] .
وذهب السيِّد محمَّد رشيد رضا إلى أنَّ (( قوله: {أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} شروعٌ في بيان ما حرَّم الرَّبُّ، وما أوصى به من البِرِّ, وقد أورد بعضه بصيغة النَّهي عن الشيءِ وبعضه بصيغة الأمر بِضِدِّه حسب ما تقتضيه البلاغة كما سيأتي. و(أنْ) تفسيريَّة ونَدَع النُّحاة في اضْطِرابهم وخِلافهم في تصنيف ما في حَيِّزِها من النهي والأمر على قواعدهم، فنحن لا يعنينا إلا فهم المعاني من الكلام بغير تكلُّفٍ، وما وافق القرآن من قواعدهم كان صحيحًا مُطردًا وما لم يُوَافِقْه فهو غيرُ صحيحٍ وغيرُ مُطَّرد ...
بدأ تعالى هذه الوصايا بأكبر المحرَّمات وأفظعها وأشدِّها إفسادًا للعقل والفطرة وهو الشرك بالله تعالى ... وتقدير الكلام: أوَّل ما أتلوه عليكم في بيان هذه المحرَّمات وما يقابلها من الواجبات، أو ما أوصاكم به تعالى من ذلك، كما يدلُّ عليه لاحق الكلام، هو أنْ لا تُشْرِكُوا بالله شيئًا من الأشياء ... )) [2] .
وعلى هذا فـ (لا) في الآية الكريمة ليست زائدةً, والقول بزيادتها ليس له صلة بالمعنى الذي يزداد وضوحًا إذا قرأنا الآية كاملة. قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [3] .
وأجدني مع ما ذهب إليه صاحب المنار من أنَّ الكلام بعد (أنْ) شروعٌ في البيان، فضلا عن أنَّ في قوله تعالى: {أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} دلالةً واضحةً على أنَّ (أنْ) الواردة بعدها تفسيرية ليتمَّ بعدها تعداد الأمور التي حرَّمها الله، وتُدْرَج متتاليةً بصيغة النهي عن القيام بها و (لا) الواردة قبل الأفعال تكون على ذلك ناهية، والمعنى: قل تعالوا أَتْلُ عليكم الأمور التي حرَّمها الله، وهي: لا تُشْرِكُوا به شيئًا، بالوالدين إحسانًا، لا تَقْتُلُوا أولادكم من إملاقٍ، لا تقربُوا الفواحش، لا تَقْتُلُوا النفس التي حرَّم الله إلا بالحقِّ.
والدليل على أنَّ (لا) في قوله تعالى: {أَلَّا تُشْرِكُوا} ناهيةٌ ورود الأفعال التي عطفت عليها وكانت كلُّها مسبوقةً بلا الناهية. ناهيك بأنَّ من اسْتَدَلَّ بالآية المذكورة {أَلَّا تُشْرِكُوا}
(1) الأمالي الشجرية (1/ 48 - 49) ، وينظر التبيان في إعراب القرآن (1/ 548) ، مغني اللبيب (1/ 484485)
(2) تفسير المنار (8/ 184)
(3) الأنعام: 151