فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 198

لقد حفظ الله عز وجل القرآن الكريم على الأرض بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي استقبله فأحسن الاستقبال، وحفظه أتم حفظ، وقام به خير قيام، وبلغه أحسن تبليغ والشواهد على ذلك كثيرة منها:

1 -قوله تعالى (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ *إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ *فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ *ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) (القيامة: 16 - 19) . فكان صلى الله عليه وسلم حين نزول القرآن عليه يتعجل ويبادر بأخذه، واختلف في سبب ذلك.

* فقيل: لما يجده من المشقة عند النزول، فيتعجل لتزول المشقة سريعا.

* وقيل خشية منه صلى الله عليه وسلم أن ينساه، أو يتفلت منه شيء.

* وقيل: لأجل أن يتذكره.

* وقيل: من حبه إياه.

ومما ورد في تفسير هذه الآيات ما أخرجه البخاري وغيره عن موسى بن أبي عائشة أنه سأل سعيد بن جبير عن قوله تعالى (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ) قال: وقال ابن عباس:"كان يحرك شفتيه إذا أُنْزِل عليه، فقيل له: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ) يَخْشى أن يَتَفَلَّتَ منه (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) أن نجمعه في صدرك (وَقُرْآنَهُ) أن تَقْرأَهُ (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ) يقول: أُنْزِل عليه (فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ *ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) أن نُبِيَّنه على لسانك".

تدل هذه الآيات على تكفل الله المطلق لهذا القرآن: وحيا، وحفظا، وجمعا، وبيانا، وأن على الرسول صلى الله عليه وسلم التلقي والاتباع ثم البلاغ، فكان كلما نزلت عليه آية أو آيات جمعها الله له في صدره، فوعاها قلبه، واشتغل بها لسانه لنفسه وللمسلمين.

2 -قوله تعالى (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى) (الأعلى: 6) حيث تكفل الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم برفع مشقة استظهار القرآن وحفظ قلبه له فلا ينسى ما يقرئه ربه.

3 -حرص النبي صلى الله عليه وسلم على حفظ القرآن الكريم ومدارسته في كل أوقاته، فكان يحيي الليل بتلاوة آيات القرآن في الصلاة عبادةً، وتلاوةً، وتدبرا لمعانيه، حتى تفطرت قدماه الشريفتان من كثرة القيام امتثالا لأمر الله تعالى القائل (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ *قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا *نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا *أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) (المزمل:1 - 4)

4 -مدارسة جبريل عليه السلام القرآن للرسول صلى الله عليه وسلم ومع تكفل الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم بحفظه وجمعه في صدره حتى لا يضيع منه شيء، فإن جبريل عليه السلام لم يكتف بتبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن، بل كان يقرأه النبي صلى الله عليه وسلم على جبريل عليه السلام في كل عام مرة حتى يزداد ثبات قلب النبي صلى الله عليه وسلم به، وليطمئن جبريل عليه السلام أكثر على ما بلغه به.

أخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم أجودَ الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان؛ لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يَعْرِضُ عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم القرآنَ، فإذا لقيه جبريلُ كان أجودَ بالخير من الريح المرسلة) .

وعندما دنا أجل النبي صلى الله عليه وسلم عارضه جبريل بالقرآن مرتين فقد ورد في صحيح البخاري: قال مسروق عن عائشة رضي الله عنها، عن فاطمة عليها السلام: (أسَرّ إليَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن جبريل يعارضُني بالقرآن كلَّ سنة، وأنَّه عارضني العام مرتين، ولا أُراهُ إلاّ حضر أجلي) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت