السلام: (( من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل ) ) [1] .
وقد جاءت هذه الصيغة والمراد بها إباحة الشيء بعد حظره، كقوله: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} (الجمعة: 10) بعد قوله: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} (الجمعة: 9) ، وكذلك قوله: {وإذا حللتم فاصطادوا} (المائدة: 2) بعد قوله: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} (المائدة: 95) ومنه {فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها} (الحج: 36) ومنه {فالآن باشروهن} (البقرة: 187) ومنه {واهجروهن في المضاجع واضربوهن} (النساء: 34) ومنه {فكلوا مما أمسكن عليكم} (المائدة: 4) فكل هذا مما ليس في فعله ثواب، ولا في تركه عقاب.
ويكون هذا اللفظ الأمري بمعنى الوعيد كقوله تعالى: {اعملوا ما شئتم} (فصلت: 40) {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} (الكهف: 29) {فاعبدوا ما شئتم من دونه} (الزمر: 15) {واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم} (الإسراء: 64) {قل تمتع بكفرك قليلا} (الزمر: 8) {ذرهم يأكلوا ويتمتعوا} (الحجر: 3) {فذرني ومن يكذب بهذا الحديث} (القلم: 44) ... ويكون لفظ الأمر - أيضا - لإظهار عجز الذي وُجِّه إليه ذلك اللفظ، ويسمى هذا الضرب تحديا، كقوله جل وعلا: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} (هود: 13) فلما عجزوا عن ذلك قال: {فأتوا بسورة مثله} (يونس:
(1) أخرجه البخاري في صحيحه - مع الفتح - (2/ 356) برقم (877) ،ومسلم في صحيحه (2/ 579) تحت رقم (844) .