الثاني: من أقسام العلو عند المحدثين: القرب إلى إمام من أئمة الحديث كالأعمش، وهشام، وابن جريج، و الأوزاعي، ومالك، ونظيره هنا: القرب إلى إمام من الأئمة السبعة، فأعلى ما يقع اليوم للشيوخ بالإسناد المتصل بالتلاوة إلى نافع: اثنا عشر وإلى ابن عامر: اثنا عشر.
الثالث: عند المحدثين: العلو بالنسبة إلى رواية أحد الكتب الستة بأن يروي حديثًا لو رواه من طريق كتاب من الستة وقع أنزل مما لو رواه من غير طريقها، ونظيره هنا العلو بالنسبة إلى بعض الكتب المشهورة في القراءات كالتيسير و الشاطبية.
ويقع في هذا النوع: الموافقات والإبدال، والمساواة، والمصافحات فالموافقة: أن يجتمع طريقه مع أحد أصحاب الكتب في شيخه، وقد يكون مع علو على ما لو رواه من طريقه أو لا يكون، مثاله في هذا الفن: قراءة ابن كثير رواية البزي طريق بن بنان عن أبي ربيعة عنه يرويها ابن الجزري من كتاب المفتاح لأبي منصور محمد بن عبد الملك بن خيرون ومن كتاب المصباح لأبي الكرم الشهروزي، وقرأ بها كل من المذكورتين على عبد السيد بن عتاب فروايته لها من أحد الطريقين تسمى موافقة للآخر باصطلاح أخل الحديث.
والبدل: أن يجتمع معه في شيخ شيخه فصاعدًا، وقد يكون أيضًا بعلو وقد لا يكون. مثاله هنا: قراءة أبي عمرو رواية الدوري طريق ابن مجاهد عن أبي الزعراء عنه رواها ابن الجزري من كتاب التيسير، قرأ بها الداني على أبي القاسم عبد العزيز بن جعفر البغدادي وقرأ بها على أبي طاهر عن ابن مجاهد، ومن المصباح قرأ بها أبو الكرْم على أبي القاسم يحي بن أحمد بن السيبي وقرأ بها على أبي الحسن الحمامي، وقرأ على أبي طاهر فروايته لها من طريق المصباح تسمى بدلًا للداني في شيخ شيخه.
والمساواة: أن يكون بين الراوي والنبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابي أو من دونه إلى شيخ أحد أصحاب الكتب كما بين أحد أصحاب الكتب والنبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابي أو من دونه على ما ذكر من العدد.
والمصافحة: أن يكون أكثر عددًا منه بواحد فكأنه لقي صاحب ذلك الكتاب وصافحه وأخذ عنه، مثاله قراءة نافع رواها الشاطبي عن أبي عبد الله محمد بن علي النفزي عن أبي عبد الله بن غلام الفرس عن سليمان بن نجاح وغيره عن أبي عمرو الداني عن أبي الفتح فارس بن أحمد عبد الباقي بن الحسن عن إبراهيم بن عمر المقرئ عن أبي الحسين بن بويان عن أبي بكر بن الأشعث عن أبي جعفر الربعي المعروف بأبي نشيط عن قالون عن نافع ورواهما ابن الجزري عن أبي محمد بن البغدادي وغيره عن الصائغ عن الكمال بن فارس عن أبي اليمن الكندي عن أبي القاسم هبة الله بن احمد الحريري عن أبي بكر الخياط عن الفرضي عن ابن بويان، فهذه مساواة لابن الجزري لأن بنيه وبين ابن بويان سبعة وهو العدد الذي بين الشاطبي وبينه وهي لمن أخذ عن ابن الجزري مصافحة للشاطبي.
ومما يشبه هذا التقسيم لأهل الحديث تقسيم القراء أحوال الإسناد إلى: قراءة، ورواية، وطريق، ووجه. فالخلاف إن كان لأحد الأئمة السبعة أو العشرة أو نحوهم واتفقت عليه الروايات والطرق عنه فهو قراءة، وإن كان للراوي عنه فرواية، أو لمن بعده فنازلًا فطريق، أولا على هذه الصفة مما هو راجع على تخيير القارئ فوجه.