النوع السابع والعشرون:
كيفية التحمل
هذا النوع من زيادتي، وهو نوع مهم، وأوجه التحمل عند المحدثين ثمانية: السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه والسماع عليه.
فأما غير الأولين فلا يأتي هنا كما ستعلم مما نذكره، وأما القراءة على الشيخ فهي المستعملة سلفًا وخلفًا، وأما السماع من لفظ الشيخ فقد كنت أقول به هنا لأن الصحابة - رضي الله عنهم - إنما أخذوا القرآن من في رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لم يأخذ به احد من القراء وهو ظاهر من جهة أن المقصود هنا كيفية الأداء، وليس كل من سمع من لفظ الشيخ يقدر على ألأداء بهيئته بخلاف الحديث، فإن المقصود المعنى أو اللفظ لا بالهيئات المعتبرة في أداء القرآن، وأما الصحابة فكانت فصاحتهم وطباعهم السليمة تقتضي قدرتهم على ألأداء كما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم.
ويحكى أن الشيخ شمس الدين ابن الجزري لما قدم القاهرة وازدحمت عليه الخلق لم يتسع وقته لقراءة الجميع، فكان يقرأ عليهم الآية ثم يعيدونها عليه دفعة واحدة، فلم يكتف بقراءته.
وتجوز القراءة على الشيخ ولو كان غيره يقرأ عليه في تلك الحالة إذا كان بحيث لا يخفى عليه حالهم، وقد كان الشيخ علم الدين السخاوي يقرأ عليه اثنان وثلاثة في أماكن مختلفة ويرد على كل منهم، وكذا لو كان الشيخ مشتغلًا بشغل آخر كنسخ ومطالعة، وأما القراءة من الحفظ فالظاهر أنها ليست بشرط بل يكفي ولو من المصحف.
وأما كيفية القراءة فثلاث:
أحدها: التحقيق وهو: إعطاء كل حرف حقه من إشباع المد وتحقيق الهمز، وإتمام الحركات واعتماد الإظهار والتشديدات وبيان الحروف وتفكيكها وإخراج بعضها من بعض مع الترسل والتؤدة بلا قصر ولا اختلاس ولا إسكان متحرك ولا إدغامه، ويستحب الأخذ به على المتعلمين من غير مجاوزة إلى حد الإفراط بتوليد الحروف من الحركات وتكرير الراءات وتحريك السواكن والفصل بين حروف الكلمة كما يقف كثير من الجهال على التاء من (نستعين) وقفة لطيفة مدعيًا أنه يرتل.
الثانية: الحدر بفتح الحاء وسكون الدال وهو: إدراج القراءة وسرعتها وتخفيها بالقصر والاختلاس والبدل والإدغام الكبير وتخفيف الهمزة بالقصر والتسكين، ونحو ذلك مما صحت به الرواية بدون بتر حروف المد واختلاس أكثر الحركات والتفريط إلى غاية لا يصح بها القراءة ولا توصف بها التلاوة، وهذا النوع مذهب ابن كثير وأبي جعفر، ومن قصر المنفصل كأبي عمرو ويعقوب.
الثالثة: التدوير: وهو التوسط بين المقامين وهو المختار عند أكثر أهل الأداء - واختلف في الأفضل هل الترتيل وقلة القراءة أو السرعة وكثرتها؟
ومعظم السلف والخلف على ألأول، وتوسط بعضهم فقال: ثواب الكثرة أكثر عددًا، وثواب الترسل أقل قدرًا.