فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 119

وعليه أن يستحضر الحديث الذي رواه ابن جرير عن ابن عباس مرفوعًا قال: التفسير أربعة أوجه وجه تعرفه العرب من كلامها ـ وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته ـ وتفسير تفسره العرب ـ وتفسير تفسره العلماء ـ ومتشابه لا يعلمه إلا الله ـ ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب.

وعليه أن لا يكثر من الأقوال المحتملة البعيدة والتفاسير الغريبة، وألا يتكلف في حمل الآية على مذهبه إذا كان ظاهرها يخالفه، ففي الحديث (مراقي القرآن كفر) وأن يرجح من الأقوال ما وافق قراءة أخرى كقوله تعالى: {أو لامستم النساء .. } فتفسير الملامسة بالمس باليد أولى من الجماع لموافقته للقراءة الأخرى: (أو لمستم) ويحرم تحريمًا غليظًا أن يفسر القرآن بما لا يقتضيه جوهر اللفظ كما فعل (ابن عربي) المبتدع الذي ينسب إليه كتاب"الفصوص"الذي هو كفر كله.

وكما يحكى عن بعض الملحدة أنه قال في قوله تعالى: {من ذا الذي يشفع} إن معناه: من ذل ـ أي من الذل ـ"ذي"إشارة للنفس ـ"يشف"جواب"من"من الشفاءـ"ع"فعل أمر من الوعى.

ويحرم أن يخرج القرآن على القواعد المنطقية, وقد اتفق أهل عصرنا ممن يبيح المنطق منهم ومن يحرمه على التغليظ على بعض العجم، وقد خرج بعض آيات القرآن عليه وأفتوا بتعزيره وزجره وأنه أتى بابًا من العظائم ـ وإذا أعرب آية أعربها على أظهر محتملاتها وأرجحها، ولا يذكر كل ما تحتمله وإن كان بعيدًا جائزًا إلا لقصد التمرين، ولا يذكر الأقاصيص التي لا يدري صحتها خصوصًا الإسرائيليات، وليقتصر منها على ما تدعو إليه الضرورة إذا كان في الآية إشارة إليه متحريًا أصح ما ورد و سيأتي حكم التفسير بالرأي.

النوع الحادي والتسعون: من يقبل تفسيره ومن يرد

هذا النوع من زيادتي، ويشبهه من علم الحديث: معرفة من تقبل روايته ومن لا تقبل.

قد تقدم في آداب المفسر أن التفسير يطلب أولا من القرآن ثم السنة ثم أقوال الصحابة والتابعين، فناقل ذلك عنهم شرطة شروط الرواية وهي: العدالة والحفظ والإتقان وهو مقرر في علم الحديث، وكذا رجال القرآن لما تقدم من أحد أركان صحة السند.

وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة أن التفسيربالرأي حرام، وتقدم في المقدمة الفرق بينه وبين التأويل.

فأما الأول فحرام مطلقًا لما فيه من الشهادة على الله والقطع بأنه مراده.

وأما الثاني: وهو التأويل فقد اختلف في جوازه فمنعه قوم سدًا للباب وتمسكًا بظاهر الحديث، وجوزه آخرون لمن كان عالمًا بعلوم:

أحدها: اللغة لأن بها يعرف شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها.

الثاني: النحو ـ لأن المعنى يتغير ويختلف باختلاف الإعراب فلا بد من اعتباره.

الثالث: التصريف ـ ولم يذكره بعضهم وهو الأصوب، ووجه من ذكره أن به تُعرف الأبنية والصيغ.

الرابع: الاشتقاق ـ لأن الاسم اذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين اختلف المعنى باختلافهما ـ كالمسيح هل هو من السياحة أو المسح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت