فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 260

حيطان متعددة تمنع أن يكون القبر في داخل مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما أربع جدارات تفصل بين المسجد وبين قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني مكان الدفن.

وأعظم من ذلك مما يدل على أخذ الصحابة والتابعين ومن بعدهم بوصية النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه، وسد الطرق الموصلة إلى الشرك به عليه الصلاة والسلام، وباتخاذ قبره مسجدا: أنهم أخذوا من الروضة الشريفة أخذوا من الروضة التي هي روضة من رياض الجنة كما قال عليه الصلاة والسلام «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» أخذوا منها قدر ثلاثة أمتار لكي يقوم الجدار الثاني ثم يقوم الجدار الثالث ثم يقوم السور الحديدي وأكثر من ثلاثة أمتار، فهذا من أعظم التطبيب وهو أنهم أخذوا من الروضة وأجازوا أن يأخذوا من المسجد لأجل أن يحمى قبر النبي عليه الصلاة والسلام من أن يتخذ مسجدا.

وهذا ولا شك من أعظم الفقه فيمن فعل ذلك، ومن رحمة الله جل وعلا في هذه الأمة، ومن إجابة دعوة النبي عليه الصلاة والسلام بقوله فيما سيأتي بعد هذا الباب «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» .

إذن فقوله عليه الصلاة والسلام ( «لَعْنَة اللّهُ على الْيَهُودَ وَالنّصَارىَ اتّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذّرُ مَا صَنَعُوا) فإنه عليه الصلاة والسلام لم يتَّخذ قبره مسجدا.

واليوم الموجود قد يكون صورته عند غير المتأمل وغير الفقيه صورته صورة قبر في داخل مسجد، وفي الحقيقة ليست صورته وليست حقيقته قبر في داخل المسجد؛ لوجود الجدران المختلفة التي تفصل بين المسجد وبين القبر؛ ولأن الجهة الشرقية منه ليست من المسجد، وهذا لمّا جاءت التوسعة الأخيرة كان مبتدؤها من جهة الشمال بعد نهاية الحجرة بكثير حتى لا تكون الحجرة في وسط المسجد من جهة أنه يكون ثمة توسعة من جهة الشرق وثم الروضة من جهة الغرب فتكون وسط المسجد فيكون ذلك من اتخاذ قبره مسجدا عليه الصلاة والسلام.

المقصود من هذا البيان المهم -الذي ينبغي أن تعيه جيدا- أن قبر النبي عليه الصلاة والسلام ما أتخذ مسجدا ولكن وصيته عليه الصلاة والسلام من التحذير قد أتخذ بها في مسجده وفي قبره؛ ولكن خالفتها الأمة في قبور الصالحين من هذه الأمة فاتخذوا قبور بعض آل البيت مساجد وعظموها كما تُعظم الأوثان.

قال (ولمسلم عن جندب بن عبد الله، قال: سَمِعْتُ النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ, وَهُوَ يَقُولُ: «إِنّي أَبْرَأُ إِلَى الله أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ, فَإِنّ الله قَدِ اتّخَذَنِي خَلِيلاً, كَمَا اتّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً, وَلَوْ كُنْتُ مُتّخِذاً مِنْ أُمّتِي خَلِيلاً لاَتّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً.» ) سبب ذلك أن الخلة هي أعظم درجات المحبة وهي التي تتخلل الروح وتتخلل القلب وشغاف الصدر بحيث لا يكون ثَم مكان لغير ذلك الخليل، لهذا النبي عليه الصلاة والسلام ليس له من أصحابه خليل، قال (وَلَوْ كُنْتُ مُتّخِذاً مِنْ أُمّتِي خَلِيلاً لاَتّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً) وجه الشاهد من هذا الحديث قوله بعد ذلك (أَلاَ وَإِنّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ, أَلاَ فَلاَ تَتّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ. فإِنّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ) وهذا أيضا جاء في رواية أخرى أيضا «كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد» وهذا هو الذي وقع في هذه الأمة، وهذا وسيلة من وسائل الشرك، مناسبته للباب ظاهرة من أن تحريم اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد مع أنه قد يكون العابد لا يعبد إلا الله لأنها وسيلة من وسائل الشرك الأكبر، والوسائل تفضي إلى ما بعدها، وقد تقرر في القواعد الشرعية وأجمع عليها المحققون أنّ سد الذرائع الموصلة إلى الشرك وإلى المحرمات واجبة، فإن الذريعة التي توصل إلى محرم يجب سدُّها لأن الشريعة جاءت لسد الأصول وسد الذرائع بسد أصول المحرمات وسد الذرائع إليها، فيجب أن يُغلق كل باب من أبواب الشرك بالله ومن ذلك اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد.

ولهذا لا تصح الصلاة في مسجد بُني على قبر، المسجد الذي يبنى على قبر فإنه لا تصح الصلاة فيه؛ لأن ذلك مناف لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - فالنبي عليه الصلاة والسلام، النبي عليه الصلاة والسلام نهى وهم فعلوا، والنهي توجه إلى بقعة الصلاة فبطلت الصلاة، فالذي يصلي في مسجد أقيم على قبر صلاته باطلة لا تصح لقوله عليه الصلاة والسلام (أَلاَ فَلاَ تَتّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ) يعني بالبناء عليها وبالصلاة حولها (فإِنّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ) .

قال (فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن -وهو في السياق- من فعله. والصلاة عندها من ذلك وإن لم يبن مسجد وهو معنى قولها: خُشِيَ أَنّ يُتّخَذَ مَسْجِداً.) يعني الصلاة عند القبور لا تجوز سواء صلى إليها أو صلى عندها رجاء بركة ذلك المكان أو لم يرج بركة ذلك المكان وإنما صلى صلاة نافلة غير صلاة الجنازة عندها، كل هذا لا يجوز سواء كان ثم بناء على القبر كمسجد أو كان قبرا أو قبرين في غير بناء عليهما فإن الصلاة لا تجوز، ولهذا جاء في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تجعلوها قبورا» وفي البخاري أيضا معلقا من كلام عمر - رضي الله عنه - أنه رأى أَنَس يصلي عند قبر فقال له: القبرَ القبر. يعني احذر القبر, احذر القبر، وهذا يدل على أن الصلاة عند القبور لا تجوز لأنها وسيلة من وسائل الشرك، وأعظم إذا كان ثم بنيان واتخاذ لما حول القبر من الأبنية مسجدا للصلاة والدعاء والقراءة ونحو ذلك.

قال (وهو معنى قولها: خُشِيَ أَنّ يُتّخَذَ مَسْجِداً. فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً، وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجداً، بل كل موضع يصلى فيه، يسمى مسجداً، كما قال - صلى الله عليه وسلم: «جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً» ) .وهذا ظاهر.

قال (ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود(- رضي الله عنه -) مرفوعاً: «إنّ من شرار الناس من تدركهم الساعةُ وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» . ورواه أبو حاتم) يعني ابن حبان (في صحيحه) وجه الشاهد من هذا أنه قال (والذين يتخذون القبور مساجد) يعني أنهم من شرار الناس، فالذين يتخذون القبور مساجد من شرار الناس، وذلك لأن اتخاذ القبور مساجد كما ذكرنا وسيلة من وسائل الشرك بالله جل وعلا، وقوله (والذين يتخذون القبور مساجد) هذا يعم كل متخذ القبر مسجدا -سواء اتخذه بالصلاة عليه أو بالصلاة إليه أو بالصلاة عنده- فذلك القصد للصلاة عند القبر يجعل من قَصَدَ في شرار الناس الذين وصفهم النبي عليه الصلاة والسلام بذلك.

ومناسبة هذا الحديث للباب ظاهرة؛ فإنه ذكر أن من شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد، والقصد من اتخاذ القبر مسجد أن يعبد الله عند قبر ذلك الرجل الصالح، فكيف حال الذي توجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام بالعبادة؟ القبر لا يخلص إليه، والاستغاثة بالنبي عليه الصلاة والسلام وتأليه النبي عليه الصلاة والسلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت