قال (وقول الله تعالى {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ} [الجاثية:24] ) هذه الآية ظاهرة في أنّ نسبة الأشياء إلى الدهر هذه من خصال المشركين أعداء التوحيد، فنفهم منه أن خصلة الموحدين أن ينسبوا الأشياء إلى الله جل وعلا لا ينسبوا الإهلاك إلا إلى الدهر؛ بل الله جل وعلا هو الذي يحيي ويميت.
قال (وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «قال الّلهُ تعالى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ. يَسُبّ الدّهْرَ. وَأَنَا الدّهْرُ» ) ، قوله هنا (وَأَنَا الدّهْرُ) لا يعني أن الدهر من أسماء الله جل وعلا؛ ولكنه رتبه على ما قبله فقال (يَسُبّ الدّهْرَ. وَأَنَا الدّهْرُ) ؛ لأن حقيقة الأمر أن الدهر لا يملك شيئا ولا يفعل شيئا، فسَبُّ الدهرِ سَبٌّ لله؛ لأن الدهر يَفعل اللهُ جل وعلا فيه، في الزمان ظرف للأفعال وليس مستقلا، فلهذا لا يفعل ولا يحرم ولا يعفي ولا يكرم ولا يهلك وإنما الذي يفعل هذه الأشياء مالك الملك المتفرد بالملكوت وتدبير الأمر الذي يجير ولا يجار عليه.
إذن فقوله (وَأَنَا الدّهْرُ) هذا فيه نفي نسبة الأشياء إلى الدهر، وأن الأشياء تنسب إلى الله جل وعلا، فيرجع مسبة الدهر إلى مسبة الله جل وعلا؛ لأن الدهر لا ملك له والله هو الفاعل.
قال (أُقَلّبُ اللّيْلَ وَالنّهَارَ) والليل والنهار هما الدهر، فالله جل وعلا هو الذي يقلبهما، فليس لهما من الأمر شيء. نعم
وفي الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنّ أَخْنَع اسْمٍ عِنْدَ اللّهِ رَجُلٌ تَسَمّىَ مَلِكَ الأَمْلاَكِ، لاَ مَالِكَ إِلاّ اللّهُ» .
قَالَ سُفْيَانُ: مِثْلُ شَاهَانْ شَاهْ. وفي رواية: «أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, وَأَخْبَثُهُ» . قوله: (أَخْنَعَ) ، يعني: أَوْضَعَ.
[الشرح]
التوحيد يقتضي من الموحد المؤمن بالله جل وعلا أن يُعَظِّمَه، وأن لا يجعل مخلوقا في منزلة الله جل وعلا فيما يختصّ به، وتارة يجعل المخلوق من منزلة الله لشُبهة وصفٍ قام به أو شيء يكون عليه، ككون القاضي هو رئيس القضاة أو أعلم القضاة فيُجعل في اللفظ والتسمية قاضيا للقضاة.
فلهذا نبه الشيخ رحمه الله على أن التسمي بالأسماء التي معناها إنما هو لله جل وجلاله أن هذا لا يجوز، والتوحيد يقتضي أن لا يوصف بها إلا الله وأن لا يسمى بها إلا الله جل وعلا، فتسمية غير الله بتلك الأسماء -التي ستأتي- لا تجوز ومحرم؛ بل هي أخنع الأسماء وأوضع تلك الأسماء وأبغض الأسماء إلى الله جل جلاله.
قال (باب التَّسمِّي بقاضي القضاة ونحوه) قوله (التَّسمِّي) يشمل ما إذا سمى نفسه أو سماه غيره به فرضي، أما إذا سماه غيره به فلم يرض فإنه لا يدخل في الذم لعدم الرضى، فإذا سُمي بذلك فيلحق الوعيد المسمي ومن رضي بذلك الاسم.