فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 260

قال (وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ} [الأنفال:64] ) ، قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ) يعني كافيك الله وكافي من اتبعك من المؤمنين؛ لأن الحَسْبَ هو الكافي، والكلمة المشابهة لها (حَسَب) ، تقول: هذا بِحَسَبِ كذا؛ يعني بناءً على كذا، وأما الكافي فهو الحسْب بسكون السين, (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ) يعني كافيك الله وكافي من اتبعك من المؤمنين. وجه مناسبة هذه الآية لهذا الباب أن الله حَسْب من توكل عليه، قال جل وعلا {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق:3] ، فالله حسْبُ من توكَّل عليه، فدلّ أن الله جل وعلا أمر عباده بالتوكل عليه حتى يكون كافيهم من أعدائهم وحتى يكون جل وعلا كافي المؤمنين من المشركين.

قال جل وعلا (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ) يعني كافيك الله، ولهذا أعقبها بالآية الأخرى وهي قوله جل وعلا (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) .

والتوكل على الله جل وعلا -كما ذكرنا لك- يرجع إلى فهم توحيد الربوبية وإلى عظم الإيمان بتوحيد الربوبية، فإن بعض المشركين قد يكون عنده التوكل على الله الشيء العظيم، والتوكل على الله من العبادات التي تُطلب من المؤمن، ومن العبادات الواجبة والعبادات العظيمة.

لهذا نقول: إن إحداث التوكل في القلب يرجع إلى التأمل في آثار الربوبية، فكما كان العبد أكثر تأملا في ملكوت الله وفي السماوات والأرض وفي الأنفس وفي الآفاق، كان علمه بأن الله هو ذو الملكوت، وأنه هو المتصرف، وأن نصره لعبده شيء يسير جدا بالنسبة إلى ما يجريه الله جل وعلا في ملكوته، فيُعظم المؤمن بهذا التدبر الله جل وعلا، ويُعْظِم التوكل عليه، ويعظِّم أمره ونهيه، وينظر أن الله جل جلاله لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء سبحانه وتعالى.

قال ( {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق:3] ) رتّب الحسْب -وهو الكفاية- بالتوكل عليه، وهذا فضيلة التوكل وفضيلة المتوكلين عليه.

قال (وعن ابن عباس، قال:(حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) قالها إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - حين ألقي في النار، وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قالوا له: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران:173] )، هذا يبين عظم الكلمة وهو قول المؤمن (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) ، فإذا تحقق العبد التوكل على الله وحققه في القلب معناه أنه حقق هذا النوع من التوحيد -توحيد التوكل في النفس-، فإن العبد إذا أعظم رجاءه في الله وتوكله على الله فإنه وإن كادته السماوات والأرض ومن فيهن فإن الله سيجعل له من أمره يُسرى وسيجعل له من بينها مخرجا، (حَسْبُنَا اللَّهُ) يعني كافينا الله (وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) يعني ونعم الوكيل ربنا, هذه كلمة عظيمة قالها إبراهيم عليه السلام في الكرب وقالها النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في الكرب لما (قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا) وذلك لعظم توكلهم على الرب جل وعلا. نعم.

باب قول الله تعالى:{أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}[الأعراف:99]، ... وقوله:{وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ}[الحجر:56].

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت