فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 260

قال بعد ذلك (وعند ابن مسعود، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَلاَ هَلْ أُنَبّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ هِيَ النّمِيمَةُ الْقَالَةُ بَيْنَ النّاسِ» رواه مسلم) ، (العَضْهُ) هكذا تروى في كتب الحديث (العَضْهُ) ، وفي كتب غريب الحديث واللغة تنطق هكذا (العِضَهْ) , (هل أنبئكم ما العِضَهْ) لأشباهها في وزنها، وهي كما فسرها النبي عليه الصلاة والسلام (النّمِيمَةُ الْقَالَةُ بَيْنَ النّاسِ) .

وأصل العَضْه في اللغة يطلق على أشياء منها السحر, والنميمة القالة بين الناس نوع من أنواع السحر وهي كبيرة من الكبائر ومحرم من المحرمات، ووجه الشبه بين النميمة و بين السحر أنّ تأثير السحر في التفريق بين المتحابين أو في جمع المتفارقين تأثيره على القلوب خفي، وهذا عمل النمام فإنه يفرق بين الأحباب؛ لأجل كلام يسوقه لهذا وكلام يسوقه لذاك فيفرق بين القلوب ويجعل العداوة والبغضاء بين قلب هذا وهذا، فحقيقة النميمة كما قال جل وعلا عن السحر {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة:102] ، والنميمة هي القالة بين الناس، وهذا كما هو ظاهر من أنواع السحر وهذا النوع محرم لأنه كبيرة من الكبائر؛ لأن النميمة نوع من أنواع الكبائر، والكبائر من أعظم الذنوب العملية.

قال (ولهما عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنّ من الْبَيَانِ لسِحْراً» ) ، (إِنّ من الْبَيَانِ لسِحْراً) قال عن البيان إن منه ما هو سحر.

والمقصود بالبيان هنا التبيين عما في النفس بالألفاظ الفصيحة البيّنة التي تأخذ المسامع والقلوب، فتسحر القلوب فتقلب ربما الحق باطلا والباطل حقا، حتى يغدو ذلك الذي يُعدّ من أهل البيان والفصاحة يغدو في قلوب الناس أن ما قاله هو الحق وأن ما لم يقله أو رده هو الباطل، وهذا ضرب وهذا ضرب من السحر؛ لأنه تأثير خفي على النفوس بالألفاظ، هذا التأثير الخفي بقلب الحق باطلا وقلب الباطل حقا تأثيره خفي كتأثير السحر في الخفاء، ولهذا قال (إِنّ من الْبَيَانِ لسِحْراً) .

والصحيح من أقوال أهل العلم أن هذا فيه ذم للبيان وليس مدحا له، قال (إِنّ من الْبَيَانِ لسِحْراً) على جهة الذم.

وبعض أهل العلم قال إن ذلك على جهة المدح؛ لأنه يصل بالتأثير إلى أن يِثر تأثيرا بالغا كتأثير السحر في النفوس، والتأثير البالغ إن كان من جهة البيان يقولون فإنه جائز، وهذا من جهة المدح له وبيان عظم تأثيره.

ولكن هذا فيه نظر، والظاهر أنه لمّا جعل البيان سحرا علمنا أن الشرع ذمه، ولهذا أورد الشيخ رحمه الله في هذا الباب الذي اشتمل على أنواع من المحرمات، فالذي يستغل ما أتاه الله جل وعلا من اللسان والبيان والفصاحة في قلب الباطل حقا وفي قلب الحق باطلا، هذا لا شك أنه من أهل الوعيد ومذموم على فعله؛ لأن البيان إنما يقصد به نصرة الحق لا أن يجعل ما أبطله الله جل وعلا حقا في أنفس الناس وفي قلوبهم. نعم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت