فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 260

وعلا، والله سبحانه كلّ من في السماوات ومن في الأرض خائف منه وجِلٌ منه في الحقيقة إذْ هو الجليل سبحانه، ولذلك كان الأعرف به في السماء الملائكة فإن الملائكة {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل:50] ، وقال وعلا في وصفهم أيضا {وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء:28] ، فصفات الجلال لله جل وعلا وصفات الكمال له سبحانه وصفات الجمال له سبحانه هذه كلها دلائل على أنه هو المستحق للعبادة وحده دون ما سواه، فمن المتصف بالعظمة على كمالها؟ من الذي يُهاب منه ويُخاف على الحقيقة؟ من الذي يكون كل ما في السماوات وما في الأرض على وفق أمره؟ هو الله جل وعلا.

إذن هو جل وعلا ذو الأسماء الحسنى وذو الصفات العلى، ولهذا قال جل وعلا في آية سبأ (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) ، (فُزِّعَ) يعني أزيل الفزع عن قلوب الملائكة، فالملائكة مع أنهم مقربون إلا أنهم شديدوا المعرفة بالله جل وعلا، شديدوا العلم به، عظيم علمهم بالرب جل وعلا، ومما يعلمونه عن الله جل وعلا أنه هو الجبار وأنه هو الجليل سبحانه وأنه ذو الملكوت، فلهذا يشتد فزعهم منه سبحانه؛ لأنه لا غِنى بهم عنه جل وعلا طرفة عين.

والصفات التي فيها هذا البرهان هي صفات الجلال لله جل وعلا، وصفات الجلال هي الصفات التي تورث الخوف في القلب؛ لأن الصفات تنقسم إلى أقسام متنوعة بإعتبارات، ومن تقسيمات الصفات أنها تنقسم إلى صفات جلال وصفات جمال.

فالصفات التي تحدث في القلب الخوف والهلع والرهبة من الرب جل وعلا هذه تسمى صفات الجلال، والذي يتصف بصفات الجلال على الحقيقة هو الله جل وعلا؛ لأنه هو الكامل في صفاته سبحانه، فإذا كان كذلك كان الكامل في صفاته هو المستحق للعبادة. وأمّا البشر, أمّا المخلوقين فإنهم ناقصون في صفاتهم يعلمون أن حياتهم ليست حياة كاملة، وإنما هي حياة إذا عرض لها أي عارض صار المخلوق ميْتة، وإذا عرض له أي عارض صار مريضا، إذا عرض له أي عارض صار ضعيفا لا يستطيع أن يعمل شيء، فهم ضعاف فقراء محتاجون ليست لهم صفات الكمال، وهذا ودليل نقصهم ودليل عجزهم ودليل أنهم مقهورون مربوبون، فيجب أن يتوجه العباد إلى من له صفات الكمال ونعوت الجلال والجمال، وهو الله جل وعلا وحده سبحانه وتعالى.

هذا المراد من هذا الباب وهذا ظاهر بحمد الله.

وقوله الله عز وجل: {وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأنعام: 51]

وقوله: {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر:44] .

وقوله: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة:255] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت