فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 260

وهذا البرهان برهان عظيم ينبغي لك أن تتوسع في دلائله وأن تعلم الحجة في القرآن منه؛ لأن القرآن كثيرا ما يحتجّ بهذا البرهان وهو توحيد الربوبية على ما ينكره المشركون وهو توحيد الإلهية.

من ذلك ما ساقه الشيخ رحمه الله في هذا الباب قال (باب قول الله تعالى {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} ) هذا إنكار وتوبيخ لهم كيف يشركون الذي لا يخلق وهم يخلقون ومن الذي خلقهم هو الله جل وعلا هو الذي خلق من عبدوا وهو الذي خلق العابد أيضا، فالذي يستحق العبادة وحده دون ما سواه إنما هو الله ذو الجلال والإكرام، قال (وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا) لأن النصر في الحقيقة إنما هو من عند الله جل وعلا، لو أراد الله أن يمنع نصر الناصر لمنعه.

قال (وقوله: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ(13) إنْ تَدْعُوهُمْ لاً يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ} الآيات) قال (مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ) وهذا موطن الشاهد، وقوله (مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ) حتى هذا القطمير وهو غلاف النواة أو الحبل الواصل من أعلى النواة إلى ظهر الثمرة هذا لا يملكونه، فغيره مما هو أعلى منه من باب أولى وأولى، وحتى هذا الشيء الحقير لا يملكون مما لا يحتاجه الناس ولا يطلبونه، فكيف إذن يطلبون منهم أشياء لا يملكونها؟ قال جل وعلا هنا (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا ... ) ، (الَّذِينَ) إسم موصول يعم كل ما دعي من دون الله -الملائكة أو الأنبياء والرسل أو الصالحين من الأموات أو الطالحين أو الجن أو الأصنام والأشجاروالأحجار-؛ كل ما دعي وما دعي فإنه لا يملك ولو قطميرا لا يملك هذا، فإذن لم يسأل؟ فالواجب أن يتوجه بالسؤال لمن يملك.

ذلك ذكر الشيخ رحمه الله بعد ذلك عدة أحاديث في هذا الباب، وهذه الأحاديث مدارها على بيان قول الله جل وعلا {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] ، ووجه الإستدلال من هذه الأحاديث وإيراد هذه الآية: أن هذا النفي توجه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عليه الصلاة والسلام سيد ولد آدم، ليس لك يا محمد من الأمر شيء، واللام في قوله لك لام الإستحقاق أو لام الملك؛ يعني لا تستحق شيئا أو لا تملك شيئا يعني لا تستحقه بذاتك وإنما بما أمر الله جل وعلا وبما أذن به، فتعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم - ومحبة النبي عليه الصلاة والسلام هي فرع عن محبة الله وعن تعظيم الله جل وعلا، فما هو أبعد أو أعظم مما أذن الله به فليس له ذلك، أو كذلك المِلك؛ مِلك الأشياء أو مُلك شيء من الأمر فإنه ليس له عليه الصلاة والسلام , ذلك قال جل وعلا (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ) ، ولو كان له عليه الصلاة والسلام من الأمر شيء لنصر نفسه وأصحابه يوم أحد ولكن في يوم أحد حصل ما حصل فأنزل الله جل وعلا قوله {لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران:128] .

كذلك الحديث الآخر لما لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قنوت الفجر فلانا وفلانا من الناس الذين آذوا المؤمنين نزل قول الله جل وعلا (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ) ؛ يعني لست تملك شيئا من الأمر.

وهكذا الحديث الذي بعده.

وهذه الأحاديث دالة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نُفي عنه أن يملك شيئا من ملكوت الله، وإذا كان كذلك فإنه عليه الصلاة والسلام قد بلّغ ذلك وبيّنه، ومن هو دونه عليه الصلاة والسلام من باب أولى، فالملائكة أولى أن ينفى عنهم ذلك، والأنبياء أولى أن ينفى عنهم ذلك، وكذلك الصالحون من أتباع الرسل وأتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - كذلك أولى أن يُنفى عنهم ذلك.

فإذا كان كذلك بطلت كل التوجُّهات إلى غير الله جل و علا، ووجب أن يُتوجه بالعبادة وبأنواع العبادة من الدعاء والإستغاثة والإستعاذة والذبح والنذر وأنواع التوجّهات إلى الحق جل وعلا وحده دون ما سواه.

الحديث الأخير لمّا نزلت {وأنذِرْ عَشيرتَكَ الأقرَبين} [الشعراء: 214] ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «يا معشر قريش اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبدالمطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنكِ من الله شيئاً» وهذا ظاهر في أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يستطيع أن يفعل شيئا بما ينفع به الأقربين إلا ما جعل الله له من الرسالة وبلاغ وأداء الأمانة، وأما أنه يغني عنهم من الله شيئا؛ يغني عنهم العذاب يغني عنهم النكال يغني عنهم العقوبة فالله جل وعلا لم يجعل لأحد من خلقه من ملكوته شيء، وإنما هو سبحانه المتفرد بالملكوت والجبروت والمتفرد بالكمال والجمال والجلال.

باب قول الله تعالى:{حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}[سبأ:23].

وفي الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خَضَعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، ينفذهم ذلك: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ:23] ، فيسمعها [1] مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض، وصفه سفيان بكفه، فحرفها وبدد بين أصابعه، فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مئة كَذْبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء» .

وعن النوّاس بن سِمعان (- رضي الله عنه -) ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلّم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة (أو قال: رعدة شديدة) خوفاً من الله عز وجل. فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعِقوا وخروا لله سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل عليه السلام، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء، سأله ملائكتُها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق، وهو العلي الكبير. فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل»

[الشرح]

هذا الباب -كما ذكرنا بالأمس- مناسبته لكتاب التوحيد أن فيه برهانا على أن المستحق للعبادة هو الله جل جلاله ذلك أنه هو المتصف بصفات الكمال والجلال، وهذا الباب فيه ذِكر لصفة أو لصفات الجلال لله جل

(1) قارئ المتن قال: فيسمع الكلمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت