فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 260

والذي يدل على أيضا عن ذلك خاص بالأعمى وعلى أصل الاستشفاع أنه رحمة من الله جل وعلا للمستشفع وفضل منه عليه وإزالة عما به أن ذلك الأعمى رأى النور و أبصر بعد دعاء النبي عليه الصلاة والسلام له، وتوجه ذلك الأعمى إلى الله جل وعلا أن يجيب فيه دعاء نبيه عليه الصلاة والسلام.

الصحابة الآخرون الذين كانوا مكفوفين لم يدعوا بهذا الدعاء، فكان في المدينة أناس عده كفت أبصارهم، منهم ابن أم مكتوم وجماعة فما دعوا بهذا الدعاء، وإنما كان ذلك خاصة بذلك الأعمى.

فالعلماء لهم بذلك توجيهان:

التوجيه الأول: أن ذلك الدعاء كان خاصا بذلك الأعمى بدليل عدم استعمال بقية الصحابة ذلك الدعاء، وعدم إرشاد النبي عليه الصلاة والسلام لهم أن يزال ما بهم من عمى البصر بذلك الدعاء.

والتوجيه الثاني: أن ذلك خاص بحياته عليه الصلاة والسلام، ولا يكون بعد وفاته عليه الصلاة والسلام.

وهذا الثاني والأول جميعا ظاهرة صحيحة والصحابة فهموا ذلك.

ولهذا ثبت في البخاري وغيره أنّ عمر - رضي الله عنه - لما أجدبوا قال وهو يخطب الاستسقاء قال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا بنبيك، وإنّا نتوسل إليك اليوم بعم نبيك، يا عباس قم فادع الله لنا.

قال العلماء انتقل عمر من الفاضل وهو النبي عليه الصلاة والسلام إلى المفضول وهو العباس عم النبي عليه الصلاة والسلام لعلة شرعية، وهو أن الدعاء من الحي ممكن وأما من غير الحي -حياة الدنيا المعروفة- فإنه غير ممكن، وإلا يكون عمر - رضي الله عنه - انتقل من الفاضل إلى المفضول بغير علة شرعية، وهذا ممتنع فقها للصحابة رضوان الله عليهم.] [1]

باب قول الله تعالى:{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}[القصص:56]

وفي الصحيح عن ابن المسيب، عن أبيه، قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهلٍ، فقال له: «يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله» فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «لاستغفرن لك ما لم أنه عنك» .

فأنزل الله عز وجل: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} [التوبة:113]

وأنزل الله في أبي طالب {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص:56] .

[الشرح]

(1) مأخوذ من الوجه الثاني للشريط السابع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت