فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 260

جل وعلا لا يتعاطون الشرك ولا يتعاطون مثل هذه الأمور، فأولياء الله مقيَّدون بالشرع وليسوا من أولياء الجن. نعم.

[الأسئلة]

[س/ هناك رجل في منطقتنا يأتي إليه الناس عند فقْد أموالهم، فيعطيهم خيطا معقدا، ويقرأ عليه، ويطلب منهم أن يضعوه في المكان الذي فقده، فما حكم ذلك؟ وما حكم الصلاة خلفه؟

ج/ هذا من الكِهانة؛ لأن هذا الذي يعمل هذه الأشياء عراف، أو كاهن، وقد يكون ساحرا -أيضا-، فلا يجوز عمل مثل هذا العمل، ولا يحل لأحد أن يعين أحدا يدَّعي معرفة شيء من علم الغيب، والصلاة خلفه لا تجوز؛ لأن هذا إما أن يكون عرافا، أو كاهنا، أو ساحرا، وهؤلاء لا تجوز الصلاة خلفهم. نعم.] [1]

عن جابر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن النشرة؟ فقال: «هي من عمل الشيطان» . رواه أحمد بسند جيد، وأبو داوود. وقال: سئل أحمد عنها فقال: ابن مسعود يكره هذا كله.

وفي البخاري عن قتادة: قلت لابن المسيب: رجل به طب أو يؤخّذ عن امرأته، أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع، فلم ينه عنه.

وروي عن الحسن، أنه قال: لا يحل السحر إلا ساحر.

قال ابن القيم: النُّشرة: حل السحر عن المسحور، وهي نوعان:

أحدهما: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور.

والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة، فهذا جائز.

[الشرح]

(باب ما جاء في النشرة) , النشرة متعلقة بالسحر وأصلها من النَّشْر وهو قيام المريض صحيحا، النشرة اسم لعلاج المسحور، سميت نُشرة لأنه ينتشر بها أي يقوم ويرجع إلى حالته المعتادة.

وقول الشيخ رحمه الله هنا (باب ما جاء في النشرة) يعني من التفصيل يعني وهل النشرة جميعا وهي حل السحر مذمومة؟ أو أن منها ما هو مذموم ومنها ما هو مأذون به؟

ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة، وهي أنه كما أن السحر شرك بالله جل وعلا يقدح في أصل التوحيد، وأن الساحر مشرك الشرك الأكبر بالله، فالنُّشرة التي هي حل السحر قد يكون من ساحر، وقد يكون من غير ساحر بالأدوية المأذون بها أو الأدعية ونحو ذلك، فإذا كان من ساحر فإنها مناقضة لأصل التوحيد ومنافية لأصله.

فإذن المناسبة ظاهرة في الصلة بين هذا الباب وباب ما جاء في السحر، وكذلك مناسبتها لباب التوحيد؛ لأن كثيرين ممن يستعملون النشرة يُشركون بالله جل وعلا.

والنشرة -كما سمعتم- في الباب قسمان: نشرة جائزة ونشرة ممنوعة.

النشرة الجائزة: هي ما كانت بالقرآن أو بالأدعية المعروفة أو بالأدوية عند الأطباء ونحو ذلك، فإن السحر يكون كما ذكرنا عن طريق الجن، والسحر يحصل منه إمرار حقيقة في البدن، ويحصل منه تغيير حقيقة في العقل والذهن والفهم، وإذا كان كذلك فإنه يعالَج بالمضادات التي تزيل ذلك السحر، فمما يزيله القرآن، والقرآن هو أعظم ما ينفع في إزالة السحر، كذلك الأدعية والأوراد ونحو ذلك مما هو معروف من الرقى الشرعية.

ونوع من السحر يكون في البدن يعني من جهة عضوية فهذا أحيانا يعالَج بالرقى والأدعية والقرآن، وأحيانا يعالَج عن طريق الأطباء العضويين، وذلك لأن السحر -كما قلنا- يمرض حقيقة فإذا أزيل المرض أو سبب المرض فإنه يبطل السحر، ولهذا قال لك ابن القيم في آخر الكلام (والثاني النشرة بالرقية والتعويذات والأدوية والدعوات المباحة فهذا جائز) لأنه يحصل منه المرض وإذا كان كذلك فإنه يعالج بما أذن به شرعا من الرقى والأدوية المباحة.

والقسم الثاني من النشرة: وهي التي من أنواع الشرك أن يُنشَّر عنه -بغير الطريق الأول- بطريق السحر، فيحل السحر بسحر آخر، يحل السحر الأول بسحر آخر، وذكرنا أن السحر لا ينعقد أصلا إلا بأن يتقرب الساحر إلى الجني أو أن يكون الجني يخدم الساحر الذي يشرك بالله دائما فيخدم، كذلك حل السحر لا بد فيه من إزالة سببه وهو خدمة شياطين الجن للسحر، وهذا لا يمكن إلا الجن، فإن الساحر الثاني الذي يُنَشِّر السحر ويرفع السحر لابد أن يستغيث أو يتوجه إلى بعض جنه في أن يرفع أولئك الجن الذين عقدوا هذا السحر أن يرفعوا أثره، فصار إذن هذه الجهة أنها من حيث العقد والابتداء لا يكون إلا بالشرك بالله، ومن حيث الرفع والنشر لا تكون إلا بالشرك بالله جل وعلا، ولهذا قال (لا يحل السحر إلا ساحر) يعني لا يحل السحر بغير الطريق الشرعية المعروفة إلا ساحر، لا يأتي أحد ويقول أنا أحل السحر هل تستخدم القراءة والتلاوة والأدعية؟ قال: لا، قال: أنت طبيب تُطِبُّ ذلك المسحور؟ قال: لا، إذن فهو ساحر، إذا لم يستخدم الطريق الثانية فإنه لا يمكن أن يحل السحر إلا ساحر؛ لأنه فكُّ أثر الجن في ذلك السحر ولا يمكن إلا عن طريق شياطين الجن الذين يؤثرون على ذاك.

قال (عن جابر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن النشرة؟ فقال: «هي من عمل الشيطان» ) ، (سئل عن النشرة) ؛ السائل سأله عما كان معهودا معروفا عندهم في هذا الاسم وهو اسم النشرة، والذي كان معروفا معهودا هو أن اسم النشرة إنما هو من جهة الساحر، النشرة عند العرب هو حل السحر بمثله، هذه هي النشرة عند العرب، ولهذا سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن النشرة فقال (هي من عمل الشيطان) وقال العلماء (الـ) ألف ولام التعريف في قوله (النشرة) هذه للعهد؛ يعني النشرة المعهود استعمالها وهي حل السحر بمثله، فقال عليه الصلاة والسلام (هي من

(1) مأخوذ من الوجه الأول من الشريط الأول تحت باب ما جاء في الذبح لغير الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت