فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 260

إذا كان كذلك فمن باب أولى قبور الصالحين وقبور الأنبياء والمرسلين غيره عليه الصلاة والسلام فإنهم أولى بذلك؛ لأنه أفضل خلق الله عليه الصلاة والسلام.

فالذي حصل أن هذه الأمة لم تقبل في كثير من فئامها حماية النبي عليه الصلاة والسلام ذلك، واتخذت القبور مساجد، واتخذت القبور عيدا؛ بل بنيت عليها المشاهد؛ بل أسرجتها؛ بل قبلت لها الذبائح والنذور وطيفَ حولها وجعلت كالكعبة وجعلت الأمكنة حولها مقدسة أعظم من تقديس بقاع الله المباركة؛ بل إن عبّاد القبور تجد عندهم من الذل والخضوع والإنابة والرغب والرهب حين يأتون إلى قبر النبي أو قبر الرجل الصالح أو قبر الولي ما ليس في قلوبهم إذا كانوا في خلوة مع الله جل جلاله وهذا عين المحادّة لله جل وعلا ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِن الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} [النساء: 51] .

وقوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ وَالخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَاغُوتَ} [المائدة: 60] .

وقوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف:21] .

وعن أبي سعيد (- رضي الله عنه -) ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَتتّبِعُنّ سَنَنَ من كان قبلَكم حَذْوَ القذة بالقذة, حتّى لو دَخَلوا جُحرَ ضَبّ لَدَخلتُموهُ» . قلنا: يا رسولَ الله, اليهودَ والنصارَى؟ قال: «فمن» ؟. أخرجاه

ولمسلم عن ثوبان (- رضي الله عنه -) ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنّ اللّهَ زَوَى لِي الأَرْضَ. فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا. وَإِنّ أُمّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُها مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا. وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ. وَإِنّي سَأَلْتُ رَبّي لأِمّتِي أَنْ لاَ يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بعَامّةٍ. وَأَنْ لاَ يُسَلّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ. فيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ. وَإِنّ رَبّي قَالَ: يَا مُحَمّدُ إِنّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنّهُ لاَ يُرَدّ. وَإِنّي أَعْطَيْتُكَ لأِمّتِكَ أَنْ لاَ أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ بعَامّةٍ. وَأَنْ لاَ أُسَلّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوّاً مِنْ سِوَىَ أَنْفُسِهِمْ. يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ. وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا حَتّىَ يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضاً, وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضاً» .ورواه البرقاني في صحيحه، وزاد: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف، لم يُرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تَعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمّتِي عَلَى الْحَقّ منصورة. لاَ يَضُرّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ. حَتّىَ يَأْتِيَ أَمْرُ اللّهِ تبارك وتعالى» .

[الشرح]

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له هو الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد:

فهذا (باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان) وكتاب التوحيد من أول ما أخذنا إلى هذا الموضع ذكر فيه الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله مسائل كثيرة من بيان وجوب معرفة التوحيد والعلم به والخوف من الشرك، وبيان بعض أفراد التوحيد وبعض أفراد الشرك الأكبر والأصغر، ثم بين شيئا مما يتعلق بوسائل ذلك وما يتعلق بالصور المختلفة التي وقعت من هذا الشرك في الأمم قبلنا وعند الجاهليين يعني في الأميين وفي أهل الكتاب، وكذلك مما وقع في هذه الأمة، ثم ذكر وسائل ذلك وطرقه الموصلة إلى الشرك وسائل الشرك التي توصل إليه وطرق الشرك التي توصل إليه.

بعد هذا يأتي احتجاج المشركين والخرافيين من أنّ هذه الأمة حماها الله جل وعلا من أن تعود إلى عبادة الأوثان، فاستحضر بعد كل ما سبق أن قائلا يقول له: كل هذا صحيح؛ ولكن هذه الأمة عصمت أن تقع في الشرك الأكبر، وذلك لقول النبي عليه الصلاة والسلام «إِنّ الشّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ. وَلَكِنْ فِي التّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» فلما قال عليه الصلاة والسلام (إِنّ الشّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) علمنا أن عبادة الشيطان لا تكون في هذه الأمة وأن الشرك الأكبر لا يكون. هكذا قال الخرافيون.

والجواب: أن هذا الاحتجاج في غير موضعه وفهم ذلك الدليل وذلك الحديث ليس على ذلك النحو، وجواب ما قالوا من أن قوله عليه الصلاة والسلام (إِنّ الشّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) تقول أَيِسَ الشيطان والشيطان لا يعلم الغيب وهو حريص على إغواء بني آدم {لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:62] ، هو أيس؛ ولكن لم يُؤيسهُ الله جل وعلا أيس بنفسه لمّا رأى عز الإسلام ولما رأى ظهور التوحيد على الكفر في جزيرة العرب، فأيس لما رأى ذلك؛ ولكن لم يؤيسه الله جل وعلا من أن يعبد في جزيرة العرب ثم إن في قوله (أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلّونَ) أن المصلون لاشك أنهم آمرون بالمعروف ناهون عن المنكر لأن المصلي هو الذي أقام الصلاة ومن أقام الصلاة فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وأعظم المنكر الذي سينكره المصلي هو الشرك بالله جل وعلا، فإن الشيطان ييأس أن يعبده من قام بالصلاة على حقيقتها وأقامها كما أراد الله جل وعلا.

فإذن نقول هذا الحديث ليس فيه أن العبادة عبادة الشيطان لا تكون في هذه الأمة بل فيه أن الشيطان أيس لما رأى عز الإسلام؛ ولكنه لم يؤيّس ولهذا لما كان بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام بقليل وارتدت طائفة من العرب كان ذلك من عبادة الشيطان؛ لأن عبادة الشيطان بطاعته كما قال جل وعلا {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يس:60] ، وعبادة الشيطان كما في تفسير الآية بطاعته في الأمر والنهي، طاعته في الشرك وطاعته في ترك الإيمان وترك لوازمه.

إذن هذا الدليل استحضره الإمام رحمه الله وقال: إن هذا الدليل ليس واقعا كما زعمه أولئك، والدليل على ذلك التفسير ما جاء في الأدلة أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان، فيصحح ما فهمنا من أن معنى الحديث أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت