فهذا فيه التنبيه على فائدة مهمة وهو أن طالب العلم بالخصوص؛ بل عاقل بعامة إذا نطق بكلام لا بد أن يتبين ما معنى هذا الكلام، فكونه يستعمل كلاما لا يعي معناه هذا من العيب وليس من أخلاق الرجال أصلا؛ أن يتكلمون بكلام ولا يعون معناه، فيأتي بكلام ثم ينقضه في فعله وفي قوله، هذا ليس من أفعال الذين يعقلون، فضلا عن أن يكون من أفعال أهل العلم أو طلبة العلم الذين يعون عن الله جل وعلا شرعه ودينه.
فإذن صار هنا قولان، وكلا القولين صواب، فإن قول القائل السلام عليكم يشمل الأول والثاني، فتبرك بكل اسم من أسماء الله وتبرك باسم الله السلام الذي من آثاره السلامة عليك في دينك ودنياك فهو دعاء لك بالسلامة في الدين وفي الدنيا في الأعضاء وفي الصفات والجوارح إلى آخر ذلك، أو أن تكون بالمعنى الثاني كل منهما صحيح.
في الصحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لاَ يَقُلَ أَحَدُكُمُ: اللّهُمّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ. اللّهُمّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ. لِيَعْزِمْ المسألةَ, فَإِنَّ اللهَ لاَ مُكْرِهَ لَهُ» . ولمسلم: «وَلْيُعَظِمِ الرّغْبَةَ. فَإِنّ اللّهَ لاَ يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ» .
[الشرح]
قال (باب قول: اللهم اغفر لي إن شئتَ) حقيقة التوحيد أن يوحِّد العبد ربَّه جل وعلا بتمام الذل والخضوع والمحبة وأن يتضرع إلى الله جل وعلا ويتذلل إليه في إظهار فقره التام إليه وأنّ الله جل وعلا هو الغني عما سواه.
وقول القائل (اللهم اغفر لي إن شئت) ، يفهم منه أنه مستغن عن أن يغفر له كما يأتي العزيز أو المتكبر من الناس فيقول للآخر لا يريد أن يتذلل له فيقول افعل هذا إن شئت يعني إن فعلت ذلك فحسن وإن لم تفعل فلست بملحٍّ عليك ولست بذي إكرام فهو مناف, هذا القول مناف لحاجة الذي قالها إلى آخر، ولهذا كان فيها عدم تحقيق للتوحيد، ومنافاة لما يجب على العبد في جناب ربوبية الله جل وعلا أن يظهر فاقته وحاجته لربه، وأنه لا غنى به عن مغفرة الله وعن غنى الله وعن عفوه وكرمه وإفضاله ونِعمه طرفة عين.
فقول القائل (اللهم اغفر لي إن شئت) كأنه يقول: لست محتاجا، إن شئت فاغفر، وإن لم تشأ فلست بمحتاج. وهذا فعل أهل التكبر وأهل الإعراض عن الله جل وعلا ولهذا حرم هذا اللفظ وهو أن يقول أحد: اللهم اغفر لي إن شئت.
ولهذا ساق الحديث قال (في الصحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لاَ يَقُلَ أَحَدُكُمُ: اللّهُمّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ. اللّهُمّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ. لِيَعْزِمْ المسألةَ, فَإِنَّ اللهَ لاَ مُكْرِهَ لَهُ» ، ولمسلم: «وَلْيُعَظِمِ الرّغْبَةَ. فَإِنّ اللّهَ لاَ يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ» ) قوله (لِيَعْزِمْ المسألةَ) يعني ليسأل سؤال عازم، سؤال محتاج، سؤال متذلل، لا سؤال مستغنٍ مستكبر، فليعزم المسألة وليسأل سؤال جاد محتاج متذلل فقير يحتاج إلى أن يعطى ذلك، والذي سأل؛ سأل أعظم المسائل وهي المغفرة والرحمة من الله جل وعلا، فيجب عليه أن يعظم هذه المسألة ويعظم الرغبة وأن يعزم المسألة فإن الله لا مكره