فهرس الكتاب

الصفحة 220 من 260

ولكن في داخله الحلال هو الحلال والحرام هو الحرام فما بدَّل الدين، قال شيخ الإسلام رحمه الله: هذا له حكم أمثاله من أهل الذنوب.

وهاتان الدرجتان هما من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية على هذه الآية، هذا وأمثاله له حكم أمثاله من أهل الذنوب والعصيان؛ لأنه ما حرّم الحلال ولا أحلّ الحرام وإنما فعل الحرام من جهة العصيان، وجعل الحلال حراما من جهة العصيان لا من جهة تبديل أصل الدين.

والرهبان عبادتهم هي عبادة العبّاد، ويريد الشيخ رحمه الله بذكر الرهبان وبإيراده للآية التنبيه على أن الطاعة في تحليل الحرام وتحريم الحلال جاءت أيضا من جهة الرهبان -من جهة العباد-، وهذا عند المتصوفة والطرق الصوفية وأهل الغلاة وأهل الغلو في التصوف والغلاة في تعظيم رؤساء الصوفية؛ فإنهم أطاعوا مشايخهم والعبّاد والأولياء الذين زعموا أنهم أولياء أطاعوهم في تغيير الملة، فهم يعلمون أن السنة هي كذا وكذا وأنّ خلافها بدعة، يعلمون ذلك، فأطاعوا تعظيما للشيخ تعظيما للعابد، أو يعلمون أن هدا شرك في القرآن والدلائل عليه ظاهرة؛ لكن تركوه وأباحوا ذلك الشرك وأحلوه؛ لأن شيخهم ومقدَّمهم ورئيس طريقتهم أحله، وهذا كان في نجد كثيرا إبان ظهور الشيخ بدعوته، وهو موجود في كثير من الأمصار، وهو نوع من اتخاذ أولئك العباد أربابا من دون الله جل وعلا.

وهذا المقام أيضا فيه تفصيل على نحو درجتين اللتين ذكرتهما عن شيخ الإسلام رحمه الله.

باب قول تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أًرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء:60 - 62] .

وقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة:11] .

وقوله: {وَ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ} [الأعراف:56] .

وقوله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50] .

وعن عبد الله بن عمر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُم حتى يَكونَ هواهُ تَبَعًا لما جِئْتُ بِهِ» . قال النووي: حديث صحيح، رويناه في كتاب (الحجة) ، بإسناد صحيح. [1]

وقال الشعبي: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي نتحاكم إلى محمد -لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة- وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود -لعلمه أنهم يأخذون الرشوة- فاتفقا أن يأتيا كاهنا في جهينة فيتحاكما إليه, فنزلت {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ} الآية.

وقيل نزلت في رجلين اختصما, فقال أحدهما نترافع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - , وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف, ثم ترافعا إلى عمر, فذكر له أحدهما القصة. فقال للذي لم يرض برسول - صلى الله عليه وسلم: أكذلك؟ قال: نعم, فضربه بالسيف فقتله.

[الشرح]

هذا الباب من الأبواب العظيمة المهمة في هذا الكتاب؛ وذلك لأن إفراد الله جل وعلا بالوَحدانية في ربوبيته وفي إلهيته يتضمن ويقتضي ويستلزم -جميعا- أن يُفرد في الحكم، كما أنه جل وعلا لا حكم إلا حكمه في ملكوته، فكذلك يجب أن يكون لا حكم إلا حكمه فيما يتخاصم فيه الناس وفي الفصل بين الناس، فالله جل وعلا هو الحَكم وإليه الحُكم سبحانه وتعالى، قال جل وعلا {فَالحُكْمُ للهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ} [غافر:12] ، وقال جل وعلا {إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ للهْ} [2] ، فتوحيد الله جل وعلا في الطاعة وتحقيق شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله لا يكون إلا بأن يكون العباد محكِّمين لما أنزل الله جل وعلى رسوله، وترك تحكيم ما أنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - بحكم الجاهلية؛ بحكم القوانين أو بحكم سواليف البادية أو بكل حكم مخالف لحكم الله جل وعلا، هذا من الكفر الأكبر بالله جلّ جلاله ومما يناقض كلمة التوحيد أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

لهذا عقد الشيخ رحمه الله هذا الباب أن الحكم بما أنزل الله فرض، وأن ترك الحكم بما أنزل الله وتحكيم غير ما أنزل الله في شؤون المتخاصمين وتنزيل ذلك منزلة القرآن أن ذلك شرك أكبر بالله جل وعلا وكفر مخرج من ملة الإسلام.

(1) قال الشيخ صالح آل الشيخ عند شرحه لهذا الحديث في الأربعين النووية: هذا الحديث حديث مشهور؛ وذلك لكونه في كتاب التوحيد، قال عليه الصلاة والسلام (لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُم حتى يَكونَ هواهُ تَبَعًا لما جِئْتُ بِهِ) وهذا حديث حسن، كما حسنه هنا النووي، بل قال (حديث حسن صحيح) ، وسبب تحسينه أنه في معنى الآية وهي قوله جل وعلا {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65] وتحسين الحديث، بمجيء آية فيها معناه مذهبُ كثير من المتقدمين من أهل العلم كابن جرير الطبري، وجماعة من حذاق الأئمة والمحدثين.

(2) الأنعام:57، يوسف:40، 67.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت