فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 260

قال الإمام الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله في أول رسالته تحكيم القوانين: إن من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون العين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين ليكون حكما بين العالمين مناقضة ومحادة لما نزل من رب العالمين. أو نحو ما قال رحمه الله تعالى.

فلا شك أن إفراد الله بالطاعة، إفراد الله بالحكم، وتحقيق شهادة أن لا اله إلا الله محمدا رسول الله يقتضي أن لا يحكم إلا بشرعه.

فلهذا الحكم بالقوانين الوضعية أو الحكم سواليف البادية هذا كله من الكفر الأكبر بالله جل وعلا، وتحكيم القوانين كفر بالله جل وعلا لقوله تعالى هنا في هذه الآية (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) .

فإذن مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة وهي أنّ التحاكم إلى غير شرع الله هذا قدح في أصل التوحيد، وأن الحكم بشرع الله واجب فإن تحكيم القوانين أو سواليف البادية أو أمور الجاهلية هذا مناف لشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن من مقتضيات شهادة أن محمدا رسول الله أنْ يطاع فيما أمروا وأن يصدق فيما أخبر وأن يجتنب ما عنه نهى وزجرـ وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.

فالحكم بين المتخاصمين هذا لابد أن يرجع فيه إلى حكم من خلق المتخاصمين ومن خلق الأرض والسماوات، فالحكم الكوني القدري لله جل وعلا، كذلك الحكم الشرعي لله جل وعلا، فيجب أن يكون العباد ليس بينهم إلا تحكيم أمر الله جل وعلا؛ إذْ ذلك هو حقيقة التوحيد في طاعة الله جل وعلا في مسائل التخاصم بين الخلق.

قال رحمه الله (باب قول الله تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} ) ، قوله (يَزْعُمُونَ) يدل على أنهم كَذَبَة، فلا يجتمع الإيمان مع إرادة الحكم والتحاكم إلى الطاغوت، قال (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) ، وقوله (يُرِيدُونَ) هذا ضابط مهم وشرط في نفي أصل الإيمان عمن حاكم إلى الطاغوت:

· فإن من تحاكم إلى الطاغوت قد يكون بإرادته وهي الطواعية والاختيار والرغبة في ذلك وعدم الكراهة.

· وقد يكون بعدم إرادته، بأن يكون مجبرا على ذلك وليس له في ذلك اختيار وهو كاره لذلك.

فالأول: هو الذي ينتفي عنه الإيمان، لا يجتمع الإيمان بالله وبما أنزل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وما أنزل من قبله مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت، فالإرادة شرط؛ لأن الله جل وعلا جعلها في ذلك مساق الشرط، فقال (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) و (أَنْ يَتَحَاكَمُوا) هذا مصدر يعني يريدون التحاكم إلى الطاغوت، والطاغوت اسم لكل ما تجاوز به العبد حده من متبوع أو معبود أو مطاع.

قال جل وعلا (وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) يعني أن يكفروا بالطاغوت، أن يكفروا بكل تحاكم إلى غير شرع الله جل وعلا، فالأمر بالكفر بالتحاكم إلى الطاغوت هذا أمر واجب ومن أفراد التوحيد ومن أفراد تعظيم الله جل وعلا في ربوبيته، فمن تحاكم إلى الطاغوت بإرادته فهذا انتفى عنه الإيمان أصلا كما دلّت عليه الآية، قال (وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً) دل ذلك على أن هذا من وحي الشيطان ومن تسويله.

قال (قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة:11] ) الإفساد في الأرض بتحكيم غير شرع الله وبالإشراك بالله، فالأرض إصلاحها بالشريعة وبالتوحيد, وإفسادها بالشرك بأنواعه الذي منه الشرك في الطاعة، ولهذا ساق الشيخ هذه الآية تحت هذا الباب لأجل أن يبين لك أن صلاح الأرض بالتوحيد الذي منه إفراد الله جل وعلا بالطاعة وأن لا يحاكَم إلا إلى شرعه، وأن إفساد الأرض بالشرك الذي منه أن يُجعل حكم غير الله جل وعلا جائزا في التحاكم إليه.

قال (وقوله {وَ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} [الأعراف:56] ) والآية التي قبلها (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) ظاهرة في أن من خصال المنافقين أنهم يسعون في الشرك وفي وسائله وأفراده، ويقولون إنما نحن مصلحون، وفي الحقيقة أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون؛ لأنهم إذا أرادوا الشرك ورغبوا فيه وحاكموا وتحاكموا إلى غير شرع الله فإن ذلك هو الفساد، والسعي فيه سعي في الإفساد.

قال (وقوله {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة:50] ) الجاهلية يحكم بعضهم على بعض؛ يعني البشر يسنّ شريعة فيجعلها حاكمة، والله جل وعلا هو الذي خلق العباد وهو أعلم بما يصلحهم وما فيه العدل في الفصل بين تخاصماتهم والفصل في أقضيتهم وخصوماتهم، فمن حاكم إلى شرائع الجاهلية فقد حكّم البشر؛ ومعنى ذلك أنه اتخذه مطاعا من دون الله أو جعله شريكا لله جل وعلا في عبادة الطاعة، والواجب أنّ العبد يجعل حكمه وتحاكمه إلى الله جل وعلا دون ما سواه، والله جل وعلا حكمه هو أحسن الأحكام {أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَمًا} [الأنعام:114] ، وقال هنا (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) , فدلَّ على أن حكم غيره إنما هو كما قال: طائفة زبالة أذهان ونحاتة أفكار لا تساوي شيئا عند من عقل تصرف الله جل وعلا في ملكه وملكوته، وأن ليس ثم حكم إلا حكم الرب جل وعلا.

هذه المسألة وهي مسألة التحاكم إلى غير شرع الله من المسائل التي يقع فيها خلط كثير خاصة عند الشباب؛ وذلك في هذه البلاد وفي غيرها، وهي من أسباب تفرّق المسلمين؛ لأن نظر الناس فيها لم يكن واحدا.

والواجب أن يتحرّ طالب العلم ما دلت عليه الأدلة وما بيَّن العلماء من معاني تلك الأدلة وما فقهوه من أصول الشرع والتوحيد وما بينوه في تلك المسائل.

ومن أوجه الخلط في ذلك أنهم جعلوا المسألة في مسألة الحكم والتحاكم واحدة؛ يعني جعلوها صورة واحدة، وهي متعددة الصور:

فمِن صورها أن يكون هناك تشريع لتقنين مستقل يضاهى به حكم الله جل وعلا؛ يعني قانون مستقل يشرَّع، هذا التقنين من حيث وَضْعُه كفر، والواضع له -يعني المشرِّع، والسَّان لذلك، وجاعل هذا التشريع منسوبا إليه-

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت