فهرس الكتاب
يقود العبدَ شيئا فشيئا عن مراقبة الله جل وعلا ويتجه إلى مراقبة المخلوقين، لذلك صار أخوف عند النبي - صلى الله عليه وسلم - من المسيح الدجال، ثم فسره بقوله (الشّرْكُ الْخَفِيّ: يَقُومَ الرّجُلُ يُصَلّي فَيُزَيّنُ صَلاَتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ) . نعم
وقال الله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 15 - 16] .
وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «تَعِسَ عبدُ الدّينارِ تَعِسَ عبدُ الدّرهمِ تَعِسَ عبدُ الخَميصةِ تَعِسَ عبدُ الخميلة: إن أعطِيَ رضيَ وإن لم يُعْطَ سَخِطَ, تَعِسَ وانتَكَسَ, وإذا شِيكَ فلا انتُقِشَ. طَوبى لعَبدٍ آخِذ بعِنانِ فرَسهِ في سبيلِ اللهِ, أشعثٍ رأسُهُ مغبرةٍ قدماهُ, إن كان في الحراسةِ كان في الحراسةِ, وإن كان في الساقة كان في الساقة. إنِ استأذَنَ لم يؤذَنْ له, وإن شَفَعَ لم يُشَفّعْ» .
[الشرح]
هذا الباب باب عظيم من أبواب هذا الكتاب ترجمه الإمام رحمه الله بقوله (باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا) ، (من الشرك) يعني الشرك الأصغر، أن يريد الإنسان بأعماله التي يعملها من الطاعات الدنيا ولا يريد بها الآخرة، وإرادة الإنسان الدنيا -يعني ثواب الدنيا- أعم من حال الرياء، فالرياء حالة واحدة من أحوال إرادة الإنسان الدنيا؛ فهو يصلي أو يزيد ويزين في صلاته لأجل الرؤية ولأجل المدح؛ لكن هناك أحوال أخر لإرادة الناس بأعمالهم الدنيا، لهذا عطف الشيخ رحمه الله هذا الباب على الذي قبله ليبين أن إرادة الإنسان الدنيا تأتي في أحوال كثيرة أعم من حال الرياء بالخاصة؛ لكن الرياء جاء فيه الحديث وخافه النبي عله الصلاة والسلام على أمته فهو في وقوعه كثير والخوف منه جلل.
وهذا الباب اشتمل على الحكم بأنّ إرادة الإنسان بعمله الدنيا من الشرك وقوله (إرادة الإنسان) يعني أن يعمل العمل وفي إرادته بعثه على العمل ثواب الحياة الدنيا، فهذا من الشرك بالله جل وجلاله، وسيأتي تفصيل أحوال ذلك.
قال (وقال الله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ(15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 15 - 16] ) هذه الآية -آية سورة هود- مخصوصة بقوله تعالى {مَنْ كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ} [الإسراء:18] فهي مخصوصة بمن شاء الله جل وعلا قال هنا (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا) يعني ممن أراد الله جل وعلا له ذلك، وممن شاءه الله، فهذا العموم الذي هنا مخصوص بآية الإسراء وآية سورة الشورى.
الذين يريدون الحياة الدنيا أصلا وقصدا وتحركا هم الكفار، ولهذا نزلت هذه الآية في الكفار؛ لكن لفظها يشمل كل من أراد الحياة الدنيا بعمله الصالح.