فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 260

(والثاني أن ينسبه إلى نفسه من جهة الاستحقاق, وأنه يرى نفسه مستحقا لذلك الشيء على الله جل وعلا، كما يحصل من بعض المغرورين؛ أنه لو أطاع الله واتقاه وحصلت له نعمة فيقول: حصلت لي النعمة من جراء استحقاقي للنعمة فأنا العابد لله جل وعلا، ولا يستحضر أن الله جل وعلا يرحم عباده، ولو حاسبه على عمله لم تقم عباداته وعمله بنعمة من النعم التي أسداها الله جل وعلا له.

فالواجب -إذن- على العبد أن ينسب النعم جميعا لله، وأن يشعر بأنه لا يستحق شيئا على الله, وإنما الله هو المستحق للعبودية، هو المستحق للشكر، هو المستحق للإجلال، والعبد فقير مذنب مهما بلغ، وأنظر إلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - كيف علمه النبي عليه الصلاة والسلام أنه يقول في آخر صلاته: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي» . هذا أبو بكر علمه عليه الصلاة والسلام أن يقول (اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا) , فكيف بحال المساكين أمثالنا أو أمثال أكثر هذه الأمة؟ كيف يظنون في أنفسهم أنهم يستحقون على الله شيئا؟

فإذن تمام التوحيد أن يُجِلَّ اللهَ العبدُ، وأن يعظم العبد ربه تبارك وتعالى، وأن لا يعتقد أنه مستحق للنعم أو إنما أوتيها بجهده وجهاده وعمله وذهابه ومجيئه؛ بل هو فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

فعل العبد سبب وهذا السبب قد يتخلف وقد يكون مؤثرا، وكان مؤثرا بإذن الله جل وعلا، فرجع الأمر إلى أنه فضل الله يؤتيه من يشاء.

قال: (وقوله: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص:78] ، قال قتادة: علي علم مني بوجوه المكاسب) هذا في قصة قارون قال جل وعلا {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وءَاتَيْنَاهُ مِنَ الكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالعُصْبَةِ أُوْلِي القُوَّةِ} [القصص:76] إلى أن قال {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص:78] ، قال قتادة على علم مني بوجوه المكاسب، وهذا يحصل لكثير ممن أغناهم الله جل وعلا وصاروا في تجارة عظيمة، ينسب الشيء إلى نفسه، فيقول أنا خبير، أنا أفهم، أنا عندي علم بوجوه المكاسب، ونحو ذلك، وينسى أن الله جل وعلا هو الذي تفضل ولو منع السبب الذي فعله من التأثير لم يصر شيئا، فالله جل وعلا هو الذي تفضل عليه، وهو الذي وفقه وهو الذي هداه للفكرة، وهو الذي جعل السبب مؤثرا، فالله هو المنعم ابتداء وهو المنعم ختاما.

فالواجب -إذن- أن يتخلّص العبد من رؤية نفسه، وأن يعلم أنه لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة.

فهذا الباب معقود لما ذكرنا من تخليص لما من تخليص القلب واللسان من ألفاظ اعتقادات باطلة يظن المرء فيها أنه مستحق أشياء على الله جل وعلا، والتوحيد هو أن يكون العبد ذليلا خاضعا بين يدي الله، يعلم أنه لا يستحق شيئا على الله جل وعلا وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء.

قال (وقال آخرون: علي علم من الله أني له أهل) وهذا يشمل أحد الدرجتين اللتين ذكرتهما.

قال (معني قول مجاهد: أوتيته على شرف) .

ثم ساق حديث أبي هريرة الطويل والدلالة من ظاهره أن الله جل وعلا عاف هؤلاء؛ ولكنه لما عافاهم نسبا اثنان منهم النعمة إلى أنفسهم، وثالث نسبها إلى الله فجزى الله الأخير خيرا وأدام عليه النعمة، وعاقب ذينك الرجلين، وهذا فضل الله ينعم ثم يثبت النعمة في من شاء ويصرف النعمة عمن يشاء.

ومن أسباب ثبات النعمة: أن يعظم العبد ربه، وأن يعلم أن الفضل بيد الله، وأن النعمة هي نعمة الله.

ثم في ختام هذا الباب الوصية بأن تكون حذرا في اللسان، حذرا فيما تتكلم به, وأن تعلم أن كل خير إنما هو من الله، وأن لا حول ولا قوة إلا بالله، ولو سلبك الله العناية منه جل وعلا طرفة عين لكنتَ هالكا ومن الخاسرين, فإنّ العبد أحوج ما يكون إلى الاعتراف والعلم بأسماء الله وبصفاته وبآثار ذلك في ملكوته، وبربوبيته جل وعلا على خلقه، وبعبادته حق عبادته.

أسأل الله لي ولكم النور في القلوب والصواب في الأقوال والأعمال والاعتقادات وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

باب قول الله تعالى:{فَلَمَّا ءَاتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا ءَاتَاهُمَا فَتَعَالى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونً}[الأعراف:190]

قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله، كعبد عمرو، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب.

وعن ابن عباس في الآية، قال: لما تغشاها آدم، حملت، فأتاهما إبليس، فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة، لتطيعاني أو لآجعلن له قرني أيِّل، فيخرج من بطنك، فيشقه، ولأفعلن، يخوفهما، سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا. ثم حملت، فقال مثل قوله، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا، ثم حملت فأتاهما، فذكر لهما، فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث، فذلك قوله: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا ءَاتَاهُمَا} [الأعراف:190] . رواه ابن أبي حاتم

وله بسند صحيح عن قتادة، قال: شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته.

وله سند صحيح عن مجاهد، في قوله: {لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَالِحاً} [الأعراف:189] ، قال: أشفقا أن لا يكون إنساناً. وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما.

[الشرح]

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

أما بعد:

فهذا الباب ترجمه المصنف الإمام رحمه الله تعالى بقوله (باب قول الله تعالى: {فَلَمَّا ءَاتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا ءَاتَاهُمَا فَتَعَالى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونً} [الأعراف:190] ) فمناسبة هذا الباب للأبواب قبله أنه وتلك الأبواب بمعنى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت