شِئَتَ. فَوَاللّهِ لاَ أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ شَيْئاً أَخَذْتَهُ لِلّهِ. فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ. فَإِنّمَا ابْتُلِيتُمْ. فَقَدْ رضِيَ الله عَنْكَ وَسُخِطَ عَلَىَ صَاحِبَيْكَ.» أخرجاه.
[الشرح]
هذا الباب كالأبواب التي قبله في بيان وجوب تعظيم الله جل وعلا في الألفاظ، وأن النعم تُنسب إليه وأن يشكر عليها فتعزى إليه، ويقول العبد هذا أنعم الله علي به، والكذب في هذه المسائل أو أن يتكلم المرء بكلام ليس موافقا للحقيقة، أو هو مخالف لما يعلمه من أن الله جل وعلا أنعم عليه بذلك، هذا قد يؤديه إلى المهالك وقد يسلب الله جل وعلا عليه النعمة بسبب لفظه، فالواجب على العبد أن يتحرز في ألفاظه خاصة بما يتصل بالله جل وعلا أو بأسمائه وصفاته أو بأفعاله وإنعامه أو بعدله وحكمته، هذا ويجب على العبد أن يكون متحرزا في ذلك، والتحرز في ذلك من كمال التوحيد؛ لأنه لا يصدر التحرر إلا من قلب معظّم لله، مجلّ لله، مخبت لله؛ يعلم أن الله جل جلاله مطّلع عليه, وأنه سبحانه هو ولي الفضل وهو ولي الإنعام وهو الذي يستحق أن يجَلّ فوق كل جليل، ويستحق أن يُحب فوق كل محبوب، وأن يُعظّم فوق كل معظم.
فالله جل جلاله يجب توقيره وتعظيمه في الألفاظ، ومن ذلك ما يقوله الشيخ هذا الباب حيث قال (باب قول الله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولُنَّ هَذَا لِي} [فصلت:50] ، قال مجاهد في تفسيرها: هذا بعملي وأنا محقوق به) ؛ يعني نسب النعمة إلى نفسه أو نسب استحقاق النعمة إليه وأنه يستحق ذلك وأن الله جل وعلا لم يتفضل عليه بهذا الشيء, أو أنه تفضل عليه لأنه مستحق لهذا الإنعام، مستحق للمال، مستحق للجاه, مستحق لرفعة القدر عند الناس، فصار إليه ذلك الشيء؛ من المال والرفعة والسمعة الطيبة لأنه مستحق لذلك الشيء بفعله وجهده ونحو ذلك، مما قد يطرأ على قلوب ضعفاء الإيمان وضعفاء التوحيد.
والواجب أن يعلم العبد أنه فقير غير مستحق لشيء على الله جل وعلا، وأنه الله هو الرب المستحق على العبد أن يشكره وأن يذكره وأن ينسب النعم إليه، وأما العبد فليس مستحقا في الدنيا لحق واجب على الله جل وعلا، إلا ما أوجبه الله جل وعلا نفسه.
فهذا الذي قال: هذا بعملي وأنا محقوق به. يعني بعد أن أتته رحمة من بعد الضراء قال (هذا بعملي وأنا محقوق به) وهذا يدخل فيه كثير مما يحصل في ألفاظ الناس، كقول الطبيب مثلا هذا الذي حصل من شفاء المريض هذا بسبب عملي، أو نجاحي وتولي هذا الأمر هذا بسبب جهدي وبسبب تعبي، مما يجعل أن فعل الله جل وعلا فيه ذلك بسبب استحقاقه، أو أن ينسى الله جل وعلا وينسب الأشياء إلى نفسه, ولهذا قال (وقال ابن عباس: يريد: من عندي) يعني هذا لي، يقول من عندي أنا الذي أتيت بهذا المال أو بهذه النعمة، وهذا من عندي ولم يُتفضل علي به.
إذن فدخل في هذا الوصف الذي جاء في الآية نوعان من الناس:
(من ينسب الشيء إلى نفسه ولا ينسبه إلى الله جل وعلا أصلا.