فهرس الكتاب
وَمَلَكٌ قائم أو مَلَكٌ ساجدٌ أو مَلَكٌ راكعٌ» ففيها عُمَّار كثيرون عمروها بعبادة الله جل وعلا, قد قال جل وعلا في أول سورة الأنعام {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} [الأنعام:3] ، فالله جل وعلا هو المعبود سبحانه في السموات ومعبود سبحانه في الأرض.
فقوله هنا (لو أن السماوات السبع وعامِرَهُنَّ غيري) يعني من يعمر السموات، والله جل وعلا في هذا الاستثناء في قوله (غيري) يعني إلا أنا هذا يحتمل أن يكون الاستثناء راجع إلى الذات وراجع إلى الصفات، ومعلوم أن الأدلة دلت على أن الله جل وعلا على عرشه مستو عليه بائن من خلقه جل وعلا، والسماوات من خلقه.
فعُلم من ذلك أن قوله وعامرهن غيري راجع إلى عمارة السماء بصفات الله جل وعلا وبما يستحقه سبحانه من التعلق والعبودية، وما فيها من علم الله ورحمته وقدرته وتصريفه للأمر وتدبيره ونحو ذلك من المعاني.] [1]
وقول الله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل:120] .
وقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 59] .
وعن حُصَيْنِ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رضي الله عنه فَقَالَ: أَيّكُمْ رَأَى الْكَوْكَبَ الّذِي انْقَضّ الْبَارِحَةَ؟ قُلْتُ: أَنَا. ثُمّ قُلْتُ: أَمَا إِنّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلاَةٍ. وَلَكِنّي لُدِغْتُ. قَالَ: فَمَاذَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: اَرْتقَيْتُ. قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: حَدِيثٌ حَدّثَنَاهُ الشّعْبِيّ. قَالَ: وَمَا حَدّثَكُمُ الشّعْبِيّ؟ قُلْتُ: حَدّثَنَا عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ حُصَيْبٍ, أَنّهُ قَالَ: لاَ رُقْيَةَ إِلاّ مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ. قَالَ: قَدْ أَحْسَنَ مَنِ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ. وَلَكِنْ حَدّثَنَا ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيّ الأُمَمُ. فَرَأَيْتُ النّبِيّ وَمَعَهُ الرّهَطُ. وَالنّبِيّ وَمَعَهُ الرّجُلُ وَالرّجُلاَنِ. وَالنّبِيّ ولَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ. إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ. فَظَنَنْتُ أَنّهُمْ أُمّتِي. فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَىَ وَقَوْمُهُ. وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ. فَنَظَرْتُ. فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ. فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمّتُكَ. وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفاً يَدْخُلُونَ الْجَنّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلاَ عَذَابٍ» .
فنَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ. فَخَاضَ النّاسُ فِي أُولَئِكَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلّهُمُ الّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلّهُمُ الّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلاَمِ فَلَمْ يُشْرِكُوا بِالله. وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ.
فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَخْبَرُوهُ. فَقَالَ: «هُمُ الّذِينَ وَلاَ يَسْتَرْقُونَ. وَلاَ يَكْتَوُون. وَلاَ يَتَطَيّرُونَ. وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ» ، فَقَامَ عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ. فَقَالَ: يا رسول الله ادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: «أَنْتَ مِنْهُمْ» ثُمّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: ادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكّاشَةُ» .
[الشرح]
هذا الباب (باب من حقق التوحيد؛ دخل الجنة بغير حساب) ، وقد ذكر في الباب قبله (فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب) ، وهذا الباب أرفع رتبة من بيان فضل التوحيد، فإن فضل التوحيد يشترك فيه أهله.
وأهل التوحيد هم أهل الإسلام، فلكلٍّ من التوحيد فضل، ولكل مسلم نصيب من التوحيد، وله بالتالي نصيب من فضل التوحيد، وتكفير الذنوب.
أمّا خاصة هذه الأمة فهم الذين حققوا التوحيد، ولهذا عطف هذا الباب على ما قبله لأنه أخص (باب من حقق التوحيد؛ دخل الجنة بغير حساب) .
وتحقيق التوحيد هو مدار هذا الباب, تحقيقه بمعنى تحقيق الشهادتين: لا إله إلاَّ الله، محمد رسول الله. ومعنى تحقيق الشهادتين تصفية الدي -يعني ما يدين به المرء- من شوائب الشرك والبدع والمعاصي.
فصار تحقيق التوحيد يرجع إلى ثلاثة أشياء:
الأول: ترك الشرك بأنواعه الأكبر والأصغر والخفي.
والثاني: ترك البدع بأنواعها.
والثالث: ترك المعاصي بأنواعها.
وتحقيق التوحيد صار تصفيته من: أنواع الشرك، وأنواع البدع، وأنواع المعاصي.
وتحقيق التوحيد يكون على هذا على درجتين:
¨ درجة واجبة.
¨ ودرجة مستحبة.
وعليها يكون الذين حققوا التوحيد على درجتين أيضا:
فالدرجة الواجبة: أن يترك ما يجب عليه تركه من الثلاث التي ذكرت؛ يترك الشرك خفيَّه وجليه صغيرَه وكبيره، ويترك البدع ويترك المعاصي، فهذه الدرجة الواجبة.
والدرجة المستحبة من تحقيق التوحيد: وهي التي يتفاضل فيها الناس من المحققين للتوحيد أعظم تفاضل، ألا وهي: ألاّ يكون في القلب شيء من التوجّه أو القصد لغير الله جلّ وعلا؛ [2] يعني أن يكون القلب متوجها إلى الله بكليته، ليس فيه إلتفات إلى غير الله؛ نُطْقه لله وفعله وعمله لله؛ بل وحركةُ قلبه لله جلّ جلاله، وقد عبّر عنها بعض أهل العلم -أعني هذه الدرجة المستحبة-: أن يترك ما لا بأس به حذرا مما به بأس، يعني في مجال أعمال القلوب، وأعمال اللسان، وأعمال الجوارح.
فإذن رجع تحقيق التوحيد -الذي هذا فضله؛ وهو أن يدخل أهله الجنة بغير حساب ولا عذاب-، رجع إلى تَيْنِكَ المرتبتين، وتحقيقه تحقيق الشهادتين لا إله إلا الله، محمد رسول الله؛ لأن في قوله لا إله إلا الله الإتيان بالتوحيد والبعد عن الشرك بأنواعه. ولأن في قوله أشهد أن محمدا رسول الله البعد عن المعصية والبعد عن البدع؛ لأن مقتضى الشهادة بأن محمدا رسول الله أن يطاع فيما أمر، وأن يصدَّق فيما أخبر، وأن يجتنب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يُعبد الله إلا بما شرع.
فمن أتى شيئا من المعاصي والذنوب ثم لم يتب منها، أو لم تُكفَّر له, فإنه لم يحقق التوحيدَ الواجب، وإذا أتى شيئا من البدع فإنه لم يحقق التوحيد الواجب، وإذا لم يأتِ شيئا من البدع، ولكن حسّنها بقلبه، أو قال لا شيء
(1) مأخوذ من الوجه الأول من الشريط الرابع من باب ما جاء في الرقى والتمائم.
(2) انتهى الشريط الأول.