لله وشهادته لله بالوحدانية، ولنبيه بالرسالة، ونفي إشراك المشركين بعيسى، وإقراره بالغيب وبالبعث، فإن ذلك له فضل عليه؛ وهو أن يدخله الله الجنة، ولو كان مقصِّرا في العمل، وهذا من فضل التوحيد على أهله.
قال (ولهما في حديث عِتبان: «فَإِنّ الله قَدْ حَرّمَ عَلَى النّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاّ الله, يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله» .) , (حَرّمَ عَلَى النّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاّ الله, يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله) ، قوله (مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاّ الله) المراد بالقول هنا، الذي معه تمام الشروط، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «الحجُّ عرفة» يعني إذا أتى ببقية الأركان والواجبات, قوله هنا (مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاّ الله) يعني باجتماع شروطها، وبالإتيان بلازمها، (يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله) ليخرج حال المنافقين لأنهم حين قالوها لا يبتغون بذلك وجه الله فإن الله حرم عليه النار، وقوله (حَرّمَ عَلَى النّارِ) التحريم في نصوص الكتاب والسنَّة -تحريم النار- يأتي على درجتين: الأولى تحريم مؤبد، والثانية تحريم بعد أمد:
· التحريم المؤبد: يقتضي أن من حرَّم اللهُ عليه النار, فإنه إذا كان التحريم تحريما مؤبدا فإنه لن يدخلها, يغفر الله له، أو يكون من الذين يدخلون الجنَّة بلا حساب ولا عذاب.
· [التحريم بعد أمد] : إذا كان التحريم بعد أمد، يعني ربما يدخلها ثم يحرم عليه البقاء فيها.
وهذا الحديث يحتمل الأول، ويحتمل الثاني، (فَإِنّ الله قَدْ حَرّمَ عَلَى النّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاّ الله) ، والذي أتى بالتوحيد، وانتهى عن ضدِّه، وكانت عنده بعض الذنوب والمعاصي، ومات من غير توبة، فهو تحت المشيئة؛ إن شاء اللهُ عذَّبه، ثم حرّم عليه النار، وإن شاء اللهُ غفر له، وحرَّم عليه النار ابتداءً.
فإذن وجه الشاهد من الحديث للباب، أنَّ هذه الكلمة وهي كلمة التوحيد, وسيأتي بيان معناها مفصّلاً إن شاء الله تعالى، هذه الكلمة لما ابتغى بها صاحبها وجه الله، وأتى بشروطها، وبلوازمها، تفضَّل الله عليه، وأعطاه ما يستحقه من أنَّه حرّم عليه النار، وهذا فضل عظيم، نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من أهله.
حديث أبي سعيدٍ الخدري بعد ذلك فيه («قال موسى عليه السلام: يا رب! علمني شيئاً أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: يا ربِّ! كل عبادك يقولون هذا) في هذا الحديث دلالة على أن أهل الفضل والرفعة في الدين والإخلاص والتوحيد قد يُنبَّهون على شيء من مسائل التوحيد, فهذا موسى عليه السلام -وهو أحد أولي العزم من الرسل-، وهو كليم الله جل وعلا، أراد شيئا يختص به غير ما عند الناس، وأعظم ما يختص به أولياء الله وأنبيائه ورسله وأولوا العزم منهم، هو كلمة التوحيد لا إله إلا الله، فأراد شيئا أخص، فعلم أنه لا أخص من كلمة التوحيد؛ فهي أفضل شيء، وهي التي دُلّ عليها أُولوا العزم من الرسل، ومَنْ دونهم من الناس.
(قال يا رب! كل عبادك يقولون هذا؟ قال: يا موسى! لو أنَّ السماوات السبع وعامرَهن غيري) يعني ومن في السماوات السبع؛ من الملائكة؛ ومن عُبّاد الله غير الله جلّ وعلا، (والأرضين السبع في كفة) يعني لو تمثلت السماوات أجساما، والأرض جسما، والجميع يوضع في ميزان له كفّتان، وجاءت لا إله إلا الله في الكفّة الأخرى؛ كما قال هنا (و(لا إله إلا الله) في كفة) لمالت بهن لا إله إلا الله, لا إله إلا الله كلمة توحيد فيها ثِقَلٌ لميزان من قالها، وعظم في الفضل لمن اعتقدها، وما دلت عليه، فلهذا قال: (مالت بهن لا إله إلا الله) .
وجه الدِّلالة أنَّه لو تُصُوِّر أن ذنوب العبد بلغت ثقل السماوات السبع، وثقل ما فيها من العُبَّاد والملائكة، وثقل الأرض، لكانت لا إله إلا الله مائلة بذلك الثقل من الذنوب.
وهذا هو الذي دل عليه حديث البطاقة؛ حيث جُعل على أحد العصاة سجلات عظيمة، فقيل: له هل لك من عمل؟ فقال: لا, فقيل: بلا، ثم أخرجت له بطاقة فيها لا إله إلا الله فوُضعت في الكفة الأخرى فطاشت سجلات الذنوب وثقُلت البطاقة.
وهذا الفضل العظيم لكلمة التوحيد إنما هو لمن قويت في قلبه؛ ذلك أنها في قلب بعض العباد تكون قوية؛ لأنه مخلص فيها، مصدِّق، لا ريب عنده فيما دلت عليه، معتقد ما فيها، محب لما دلت عليه، فيقوى أثرُها في القلب ونورُها، وما كان كذلك فإنها تُحرق ما يقابلها من الذنوب، وأما من لم يكن من أهل تمام الإخلاص فيها فإنه لا تطيش له سجلات الذنوب.
فإذن يكون هذا الحديث، وحديث البطاقة، يدل على أن لا إله إلا الله لا يقابلها ذنب، ولا تقابلها خطيئة؛ لكن هذا في حق من كمّلها وحقّقها بحيث لم يخالطها في قلبه في معناها ريب ولا تردد؛ ومعناها مشتمل على الربوبية بالتضمن، وعلى الأسماء والصفات باللزوم، وعلى الإلهية بالمطابقة.
فإذن يكون من يَكمُل له الانتفاع بهذه الكلمة، ولا يقابلها ذنوب وسجلاّت ولو كانت في ثقل السماوات وما فيها والأرض، يكون ذلك في حق من كمَّل ما دلت عليه من التوحيد, وهذا معنى هذا الحديث وحديث البطاقة.
وهذا أيضا هو الذي دل عليه الحديث الآخِر في الباب (عن أنسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ يقول: «قال الله تعالى: يا ابنَ آدَمَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرْضِ خَطَايَا ثُمّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بي شَيْئاً لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» ) ، وهذا من فضل التوحيد وتكفيره الذنوب، ومناسبة هذا الحديث للباب ظاهرة, وهي أنه من أتى بذنوب عظيمة ولو كانت كقُراب الأرض خطايا يعني كعظم وقدر الأرض خطايا، ولكن لقي الله لا يشرك به شيئا, لأتى اللهُ لذلك العبد بمقدار تلك الخطايا مغفرة، وهذا لأجل فضل التوحيد وعِظم فضل الله جل وعلا على عباده لأن هداهم إليه ثم أثابهم عليه.
هذا بعض ما تيسر وأسأل الله جل وعلا لي ولكم التوفيق والرشد والسداد.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد.
[الأسئلة]
[س/ وهذا يقول: قوله (وعامرهن غيري) قد يستدل به أهل البدع على أن الله في كل مكان، نرجو التوضيح بارك الله فيكم.
ج/ في قوله جل وعلا في الحديث القدسي (يا موسى! لو أن السماوات السبع وعامِرَهُنَّ غيري) ، (السموات السبع) معروفة طباق بعضها فوق بعض, (وعامِرَهُنَّ) هي من العمارة المعنوية يعني من عمرها بالتسبيح والتهليل وذكر الله وعبادته، وقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «أَطّتْ السّمَاءُ وَحُقّ لَهَا أَنْ تَئِطّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعٍ إِلاّ