فهرس الكتاب

الصفحة 216 من 260

وكذلك من يعمل الشرك الأصغر ويتعلق قلبه بشيء من الدنيا فهو عابد لذلك، يقال عبد هذا الشيء؛ لأنه هو الذي حرك همته، ومعلوم أن العبد مطيع لسيده, مطيع له أينما وجهه توجه، فهذا الذي حركته وهمته للدنيا وللدينار وللدرهم عبد لها؛ لأن همته معلقة بتلك الأشياء، وإذا وجد لها سبيلا تحرك إليها، بدون النظر هل يوافق ذلك أمر الله جل وعلا أم لا يوافق أمر الله جل وعلا وشرعه. نعم.

وقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟!

وقال أحمد بن حنبل: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته ويذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63] ، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رَدَّ بعض قوله أن يقع في قبله شيء من الزيغ فيهلِك.

وعن عدي بن حاتم: أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إلهاً وَاحِداً لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة:31] ، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم. قال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟» . فقلت: بلي. قال: «فتلك عبادتهم» . رواه أحمد والترمذي وحسنه.

[الشرح]

(باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أرباباً) هذا الباب والأبواب بعده في بيان مقتضيات التوحيد ولوازم تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن شهادة أن لا إله إلا الله تقتضي وتستلزم أن يكون العبد مطيعا لله جل وعلا فيما أحل وفيما حرم؛ محلا للحلال ومحرما للحرام، لا يتحاكم إلا إليه جل وعلا، ولا يُحَكِّم في الدين إلا شرع الله جل وعلا والعلماء وظيفتهم تبيين معاني ما أنزل الله جل وعلا على رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وليست وظيفة العلماء التي أذن لهم بها في الشرع أنهم يحللون ما يشاءون أو يحرمون؛ بل وظيفتهم الاجتهاد في فقه النصوص وأن يبينوا ما أحل الله وما حرم الله جل وعلا، فهم أدوات ووسائل لفهم نصوص الكتاب والسنة، ولذلك طاعتهم تبع لطاعة الله ورسوله، يطاعون فيما فيه طاعة لله جل وعلا ولرسوله، وما كان في الأمور الاجتهادية فيطاعون؛ لأنهم هم أفقه بالنصوص من غيرهم، فتكون طاعة العلماء والأمراء من جهة الطاعة التبعية لله ولرسوله.

أما الطاعة الاستقلالية فليست إلا لله جل وعلا حتى طاعة النبي عليه الصلاة والسلام إنما هي تبع لطاعة الله جل وعلا، فإن الله هو الذي أذن بطاعته وهو الذي أمر بطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا معنى الشهادة له بأنه رسول الله، قال جل وعلا {مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء:80] ، وقال جل وعلا {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ} [النساء:64] فإذن الطاعة الاستقلالية هذه من العبادة، وهي نوع من أنواع العبادة، فيجب إفراد الله جل وعلا بها، وغير الله جل وعلا فإنما يطاع؛ لأن الله جل وعلا أذن بطاعته، ويطاع فيما أذن الله به في طاعته، فالمخلوق لا يطاع في معصية الله؛ لأن الله لم يأذن أن يطاع مخلوق في معصية الخالق جل وعلا، وإنما يطاع فيما أطاع الله جل وعلا فيه على النحو الذي يأتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت