فهرس الكتاب
والنوع الثالث: أهل الرياء الذين يعملون الأعمال لأجل الرياء.
والنوع الرابع: الذين يعملون الأعمال الصالحة ومعهم ناقض من نواقض الإسلام، يعمل أعمال صالحة يصلي ويزكي ويتصدق ويقرأ القرآن ويتلو؛ ولكن هو مشرك الشرك الأكبر، فهذا وإن قال إنه مؤمن فليس بصادق في ذلك؛ لأنه لو كان صادق لوحّد الله جل وعلا.
فهذه بعض الأنواع التي ذكرت بتفسير هذه الآية وكلها داخلة تحت قوله (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا) فهؤلاء جميعا أرادوا الحياة الدنيا وزينتها ولم يكن هَمْ في رضى الله جل وعلا وطلب الآخرة من أصله بذلك العمل الذي عملوه.
هنا إشكال أورده بعض أهل العلم: وهو أنّ الله جل وعلا قال في الآية التي تليها (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وأنّ هذه في الكفار الأصليين أو في من قام به مكفر، أما المسلم الذي قامت به أراد الدنيا فإنه لا يدخل في هذه الآية؟
والجواب: أنه يدخل لأن السلف أدخلوا أصناف من المسلمين في هذه الآية، والوعيد بقوله (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ) فيمن كانت إرادته الحياة الدنيا فلم يتقرب إلى الله جل وعلا بشيء، (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ) فهؤلاء أرادوا الدنيا بكل عمل وليس معهم من الإيمان والإسلام مصحح لأصل أعمالهم، فهؤلاء مخلدون في النار، أما الذي معه أصل الإيمان وأصل الإسلام الذي يصح به عمله فهذا قد يحبط العمل؛ بل يحبط عمله الذي أشرك فيه وأراد به الدنيا، وما عداه لا يحبط لأن معه أصل الإيمان الذي يصحح العمل الذي لم يخالطه شرك.
فإذن فهذه الآية فيها الوعيد، وهذا الوعيد يشمل كما ذكرنا أربعة أصناف، وكما قال أهل العلم: إن العبرة هنا باللفظ لا بخصوص السبب، فهي وإن كانت في الكفار لكن لفظها يشمل من أراد الحياة الدنيا من غير الكفار.
قال (وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «تَعِسَ عبدُ الدّينارِ تَعِسَ عبدُ الدّرهمِ تَعِسَ عبدُ الخَميصةِ تَعِسَ عبدُ الخميلة ... ) إلى آخر الحديث، وجه الشاهد من ذلك أنه دعا على عبد الدينار وعلى عبد الدرهم وعلى عبد الخميصة، وعبد الدينار هو الذي يعمل العمل لأجل الدينار، ولو لا الدينار لما تحركت همته في العمل، ولولا هذه الخميصة لما تحركت همته في العمل، فأراد العمل وعمل لأجل هذا الدينار، لأجل هذه الدنيا، لأجل الدراهم، لأجل الجاه، لأجل المكانة، لأجل الخميصة الخميلة ونحو ذلك، وقد سماه النبي عليه الصلاة والسلام عابدا للدينار، فدل ذلك على أنه من الشرك؛ لأن العبودية درجات منها عبودية الشرك الأصغر ومنها عبودية الشرك الأكبر.
فالذي يشرك بغير الله جل وهلا الشرك الأكبر وعابد له أهل الأوثان عبدة الأوثان، وأهل الصليب عبدة للصليب.