فهرس الكتاب
إذا تبين ذلك فإن حكم حل السحر بمثله أنه لا يجوز ومحرم؛ بل هو شرك بالله جل وعلا؛ لأنه لا يحل السحر إلا ساحر.
بعض العلماء من أتباع المذاهب يرى جواز حل السحر بمثله إذا كان للضرورة كما قال فقهاء مذهب الإمام أحمد في بعض كتبهم: ويجوز حل السحر بمثله ضرورة.
وهذا القول ليس بصواب؛ بل هو غلط لأن الضرورة لا تكون جائزة ببذل الدين والتوحيد عوضا عنها.
معروف أنّ الأصول الخمسة أوّلُها -يعني التي جاءت بها الشرائع- حفظ الدين، وما هو دونها مرتبة لا يبذل ما هو أعلى لتحصيل ما هو أدنى، وضرورة الحفاظ على النفس هذه لا شك أنها من الضروريات الخمس لكنها دون حفظ الدين مرتبةً، ولهذا لا يقدم ما هو أدنى على ما هو أعلى، أو أن يُبذل ما هو أعلى لتحصيل ما هو أدنى من الضروريات الخمس، والأنفس لا يجوز حفظها بالشرك، وهذا أن يموت هو على التوحيد لا شك أنه خير له من أن يعافى وقد أتى بشرك بالله جل وعلا.
والسحر لا يكون إلاَّ بشرك، والذي يأتي الساحر ويطلب منه حل السحر هذا معناه أنه رضي قوله وعمله ورضي أن يعمل به ذاك ورضي أن يشرك ذاك بالله لأجل منفعته، وهذا غير جائز.
فإذن تحصّل أن السحر وقوعا وأنَّ السحر نشْرا لا يكون إلا بالشرك الأكبر بالله جل وعلا وعليه، فلا يجوز أن يحل لا من جهة الضرورة ولا من غير الضرورة من باب أولى بسحر مثله؛ بل يحل وينشر بالرقى الشرعية. نعم.
وقول الله تعالى: {أَلاَ إِنَّمَا طَاِئُرُهْم عِندَ اللهِ وَلَكٍنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 131] .
وقوله: {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} [يس: 19] .
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لاَ عَدْوَىَ، وَلاَ طِيَرَةَ، وَلاَ هَامَةَ، وَلاَ صَفَرَ» . أخرجاه، وزاد مسلم: «وَلاَ نَوْءَ، وَلاَ غُولَ» .
ولهما عن أنسٍ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لاَ عَدْوَىَ، وَلاَ طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ» . قالوا: وما الفأل؟ قال: «الْكَلِمَةُ الطّيّبَةُ»
ولأبي داود -بسند صحيح- عن عُقبة بن عامر، قال: ذُكِرَتِ الطّيَرَةُ عِنْدَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أحْسَنُهَا الْفَأْلُ وَلاَ تَرُدّ مُسْلِماً، فَإذا رَأَى أحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُلْ اللّهُمّ لاَ يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إلاّ أنْتَ وَلاَ يَدْفَعُ السّيّئَاتِ إلاّ أنْتَ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوّةَ إلاّ بِكَ» .
وعن ابن مسعود مرفوعاً: «الطّيَرَة شِرْكٌ، الطّيَرَةُ شِرْكٌ، الطّيَرَةُ شِرْكٌ، وَمَا مِنّا إلاّ وَلَكِنّ الله يُذْهِبُهُ بِالتّوَكّلِ» رواه أبو داود والترمذي وصححه. وجعل آخره من قول ابن مسعودٍ.
ولأحمد من حديث ابن عمرو: «من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك» . قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: «أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك» . وله من حديث الفضل بن عباس: «إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك» .
[الشرح]