ثم ساق الشيخ رحمه الله أثر ابن مسعود قال (قال ابن مسعود: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد - صلى الله عليه وسلم - التي عليها خاتمه؛ فليقرأ قوله تعالى) ، (التي عليها خاتمه) , يعني التي كانت من آخر ما وصّى به، من آخر ما أمر به, يعني التي لو قُدِّر أنه وصّى وختم على هذه الوصية، وفُتحت بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، وانتقاله إلى الرفيق الأعلى، لكانت هذه الآيات التي فيها الوصايا العشر.
هذا من ابن مسعود للدِّلالة على عِظم شأن هذه الآيات، التي افتتحت بالنهي عن الشرك، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ابتدأ دعوته بالأمر بعبادة الله وحده والنهي على الشرك، واختتمها أيضا -كما دل عليه كلام ابن مسعود هذا- بالأمر التوحيد، والنهي عن الشرك؛ فدل على أن ذلك، أولى المطالب، وأول المطالب، وأهم المطالب.
قال بعد ذلك (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ(- رضي الله عنه -) قَالَ: كُنْتُ رِديفَ النبي - صلى الله عليه وسلم -. عَلَى حِمَارٍ فَقَالَ لي: يَا مُعَاذُ! أَتَدْرِي مَا حَقّ اللّهِ عَلَى الْعِبَادِ وما حقّ العبادِ عَلَى الله؟ قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «حَقّ اللّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوه وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا.» ) هذا موطن الشاهد، (حَقّ اللّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوه وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا) وهذا قد مرَّ بيان معناه؛ لكن الشاهد من هذا الحديث، ومناسبة الابتداء؛ ابتداء كتاب التوحيد أنه أتى فيه بلفظ (حَقّ) ، (أَتَدْرِي مَا حَقّ اللّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟) ثم قال: (قَالَ: «حَقّ اللّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوه وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا» ) ، هذا الحق؛ حق واجب لله جل وعلا؛ لأن الكتاب والسنة؛ بل ولأن المرسلين جميعا أتوا بهذا الحق وببيانه، وأنه أوجب الواجبات على العباد.
ثم قال (وَحَقّ الْعِبَادِ عَلَى اللّهِ أَنْ لاَ يُعَذّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئا) ، (حَقّ الْعِبَادِ عَلَى اللّهِ) هذا حق أحقَّه الله على نفسه، باتفاق أهل العلم، وبإيجابه على نفسه في بعض أقوالهم، كما قاله الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله.
(حَقّ الْعِبَادِ عَلَى اللّهِ) هل هذا حق واجب أم لا؟ نقول: نعم هو حق واجب، لكن بإيجاب الله ذلك الحق على نفسه، والله جل وعلا يحرِّم على نفسه ما يشاء، بما يوافق حكمته، ويوجب على نفسه ما يشاء بما يوافق حكمته، «إِنَّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلاَ تَظَالَمُوا» ، حرم الله الظلم على نفسه، كذلك أوجب على نفسه أشياء.
بعض أهل العلم تحاشى لفظ الإيجاب على الله، وقال: يعبَّر بأنه حق يتفضَّلُ به، حق تفضُّلٍ، لا حق إيجاب. وهذا ليس بمُتَعَيِّن؛ لأنّ الحق الواجب، أوجبه الله على نفسه، والعباد لا يوجبون على الله جلّ وعلا شيئا من الحقوق، وهو جلّ وعلا أوجبه على نفسه؛ لأنه تفضَّل على عباده بذلك، والله جلّ جلاله لا يخلف الميعاد.
وقول الله تعالى {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} ا [الأنعام: 82] .