عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -؛ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ شهِدُ أَنّ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ, وَأَنّ مُحَمّدا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ, وَأَنّ عِيسَىَ عَبْدُ اللّهِ وَرسوله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنّةَ حَقّ, وَالنّارَ حَقّ؛ أَدْخَلَهُ الله الْجَنّةَ على ما كان من العمل» أخرجاه.
ولهما في حديث عِتبان: «فَإِنّ الله قَدْ حَرّمَ عَلَى النّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاّ الله, يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله» .
وعن أبي سعيدٍ الخدري - رضي الله عنه -، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ قال: «قال موسى عليه السلام: يا ربِّ! علِّمني شيئاً أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: يا رب! كل عبادك يقولون هذا؟. قال: يا موسى! لو أن السموات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة و (لا إله إلا الله) في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله» رواه ابن حبان والحاكم وصححه.
وللترمذي وحسنه عن أنسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ يقول: «قال الله تعالى: يا ابنَ آدَمَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرْضِ خَطَايَا ثُمّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بي شَيْئاً لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» .
[الشرح]
هذا (باب فضل التوحيد وما يكفّر من الذنوب) ، التوحيد بأنواعه له فضل عظيم على أهله، ومن أعظم فضله أنه به تُكفّر الذنوب، ولهذا قال الشيخ رحمه الله في التبويب (باب فضل التوحيد وما يكفّر من الذنوب) ، (ما يكفّر) ، (ما) هنا موصولة؛ موصول حرفي، يعني تقدَّر مع ما بعدها بمصدر، يكون المعنى: باب فضل التوحيد وتكفيرِه الذنوبَ، فالتوحيد يكفر الذنوب جميعا، لا يكفر بعض الذنوب دون بعض، فإن التوحيد حسنة عظيمة، لا تقابلها معصية إلا وأحرق نورُ تلك الحسنة أثر تلك المعصية، إذا كَمُل ذلك النور.
(باب فضل التوحيد وما يكفّر من الذنوب) يعني وتكفيرِه الذنوبَ، فالتوحيد يعني من كمّله؛ كمَّل توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية وتوحيد الأسماء والصفات، فإنه تُكفّر ذنوبه -كما سيأتي في الباب بعده- أنه من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب، وكلما زاد التوحيد كلما محا من الذنوب بمقدار عظمه، وكلّما زاد التوحيد كلما أمِنَ العبد في الدنيا وفي الآخرة بمقدار عِظمه، وكلما زاد العبد في تحقيق التوحيد كلما كان متعرّضا لدخول الجنة على ما كان عليه من العمل، لهذا ساق الإمام رحمه الله آية الأنعام فقال (باب فضل التوحيد وما يكفّر من الذنوب وقول الله تعالى) .
من أهل العلم من قال إن قوله (وما يكفر من الذنوب) ، (ما) هنا موصول اسمي، يعني والذي يكفّره من الذنوب، وهذا أيضا سائغ ظاهر الصحة.
(وقول الله تعالى {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82] ) ، الظلم هنا هو الشرك، كما جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في هذه الآية حينما استعظم الصحابة هذه الآية وقالوا: يا رسول أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: «ليس الذي تذهبون إليه، الظلم الشرك، ألم تسمعوا لقول العبد الصالح {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13] » ، فالظلم هنا في مراد الشيخ الشرك، فيكون معنى الآية بما يناسب هذا الباب: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بشرك، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون، ففضْل الذي آمَنَ يعني وَحَّد، لم يلبس إيمانه بشرك، لم يلبس توحيده بشرك، أن له الأمن التام والاهتداء التام.
وجه الدلالة أن قوله (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) ، أن قوله (بِظُلْمٍ) هنا نكرة في سياق (لَمْ يَلْبِسُوا) ، وهذا يدل على عموم أنواع الظلم.
هل العموم هنا العموم المخصوص أو العموم الذي يراد به الخصوص؟ هنا يُراد العموم الذي يُراد به الخصوص؛ لأننا قلنا -فيما سبق لك آنفا- أن النكرة في سياق النفي أو النهي تدل على العموم.
العموم عند الأصوليين:
· تارة يكون باقيا على عمومه، هذه حالة.
· وتارة يكون عموما مخصوصا، يعني دخله التخصيص.
· وتارة يكون عموما مرادا به الخصوص، يعني لفظه عام ولكن يُراد به الخصوص.
وهذا الثالث هو الذي أراد به الشيخ رحمه الله وجه الاستدلال من الآية، فيكون الظلم هنا -صحيح- نكرة في سياق (لم) تدل على العموم؛ لكن عموم مُرادٌ به الخصوص، وهو خصوص أحد أنواع الظلم؛ وهو الشرك، فيصير العموم في أنواع الشرك، لا في أنواع الظلم كلها؛ لأن من أنواع الظلم ما هو من جهة ظلم العبد نفسه بالمعاصي، ومن جهة ظلم العبد غيره بأنواع التعديات، ومنه ما هو ظلم من جهة حق الله جل وعلا بالشرك، فهذا هو المراد بهذا العموم، فيكون عموما في أنواع الشرك.
وبهذا يحصل وجه الاستدلال من الآية، فيكون المعنى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ) ، يعني توحيدهم، بنوع من أنواع الشرك (أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) ، و (الْأَمْنُ) هنا هو الأمن التام في الدنيا، المراد به أمن القلب، وعدم حزنه على غير الله جل وعلا، والاهتداء التام في الدنيا والآخرة، وكلما صار ثَمَّ نقص في التوحيد؛ بغشيان العبد بعض أنواع الظلم الذي هو الشرك؛ الشرك الأصغر أو الشرك الخفي، وسائر الشرك، ونحو ذلك، فيذهب منه من الأمن والاهتداء بقدر ذلك، هذا من جهة تفسير الظلم بأنه الشرك.
فإذا فسَّرتَ الظلم بأنه جميع أنواع الظلم، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه يكون هناك مقابلة بين الأمن والاهتداء، وبين حصول الظلم، فكلما انتفى الظلم، وُجد الأمن والاهتداء، كلما كمُل التوحيد وانتفت المعصية، عظُم الأمن والاهتداء، وإذا زاد الظلم، قل الأمن والاهتداء، بحسب ذلك.
قال (عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -؛ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ شهِدُ أَنّ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ, وَأَنّ مُحَمّدا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ, وَأَنّ عِيسَى عَبْدُ اللّهِ وَرسوله وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنّةَ حَقّ, وَالنّارَ حَقّ؛ أَدْخَلَهُ الله الْجَنّةَ على ما كان من العمل» ) ، مناسبة هذا الحديث للباب قوله (على ما كان من العمل) وقوله (على ما كان) يعني على الذي كان عليه من العمل، ولو كان مقصِّرا في العمل، وعنده ذنوب وعصيان، فإن فضل توحيده