فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 260

يدل على أن الدعاء عبادة قول الله جل وعلا {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَة الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي} [البقرة:186] وقوله (أُجِيبُ دَعْوَة الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) الإجابة؛ إجابة الدعوة يكون في السؤال؛ يعني إذا سئل أجاب، ويكون أيضا بالعطاء والإثابة فيما إذا عُبِدَ، فيجيب الدعوة بإعطاء السائل سؤله، ويجيب أيضا الدعاء بإثابة الداعي العابد على عبادته.

ولهذا يفسر السلف الآيات التي فيها إجابة الدعاء ونحو ذلك بأن فيها إعطاء سؤل السائل وإثابة العابد؛ لأن الصحابة والسلف يعلمون أن الدعاء يشمل هذا وهذا (أُجِيبُ دَعْوَة الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) فهنا (دَعَانِ) يعني سألني أو عبدني مع أنها في السؤال ظاهرة في الدعاء بينة.

والآيات في مثل ذلك كثيرة كقوله جل وعلا -قال إبراهيم عليه السلام- {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} [مريم:48] ، وقال بعدها جل وعلا {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ} [مريم:49] ، إبراهيم عليه السلام قال (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ) , قال الله (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ) فدل على أن الدعاء هو العبادة، والعبادة هي الدعاء، والدعاء يفسر تارة بدعاء المسألة ودعاء العبادة وهذا حاصل وهذا حاصل من هؤلاء لأصنامهم وأوثانهم.

الباب الذي بعده وهو باب قول الله تعالى {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الأعراف:191] .نعم ...

باب قول الله تعالى{أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ(191)وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ}[الأعراف:191 - 192]

وقوله: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إنْ تَدْعُوهُمْ لاً يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يَنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر:13] ،

وفي الصحيح، عن أنسٍ رضي الله عنه قال: شج النبي - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ أُحُدٍ، و كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، فقال: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجّوا نَبِيّهُمْ؟» ، فنزلت: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] .

وفيه: عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إِذَا رفعَ رأسَه من الرّكوع منَ الرّكعةِ الآخِرةِ من الفجر يقول: اللهمّ العَنْ فلاناً وفلاناً وفلاناً, بعدَما يقول سمعَ اللّه لمن حَمِدَه ربّنا ولكَ الحمد. فأنزل الله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران:128] .

وفي رواية يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث ابن هشام، فنزلت: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128]

وفيه: عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أنزل عليه: {وأنذِرْ عَشيرتَكَ الأقرَبين} [الشعراء: 214] ، فقال: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ (أو كلمة نحوها) اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ [مِنَ الله] . لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله شَيْئَاً. يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ الله شَيْئاً. يَا عَبّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ الله شَيْئاً. يَا صَفِيّةُ عَمّةَ رَسُولِ اللّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللّهِ شَيْئاً. يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللّهِ سَلِينِي بِمَا شِئْتِ. لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ الله شَيْئاً» .

[الشرح]

هذا الباب (باب قول الله تعالى {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ(191) وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا} ) هذا الباب إيراده بعد الأبواب المتقدمة من أحسن الإيراد وأعظمها فقها ورسوخا في العلم؛ ذلك أنّ برهان وجوب توحيد الله جل وعلا في إلهيته هو ما رُكِزَ في الفطر من أن الله جل وعلا واحد في ربوبيته، والربوبية وأنّ الله واحد في ربوبيته هذه يقر بها المشركون ويقر بها كل أحد، فهي البرهان على أن المستحق للعبادة هو من توحَّد في الربوبية، فهذا الباب والباب الذي بعده أيضا برهان لاستحقاق الله العبادة وحده دون ما سواه بدليل فطري ودليل واقعي ودليل عقلي.

ومن المعلوم أن الأدلة العقلية عندنا أهل السنة والجماعة نأخذها من الكتاب والسنة؛ لأن في الكتاب والسنة من الأدلة العقلية ما يغني عن تكلُّف أدلة عقلية أخرى لمن تأمل ذلك في نصوص الوحيين.

فهذا الباب في بيان أن الذي يخلق هو الله وحده والذي يرزق هو الله وحده والذي يملك هو الله وحده وأن غير الله جل وعلا ليس له نصيب من الخلق وليس له نصيب من الرَّزق وليس له نصيب من الإحياء وليس له نصيب من الإماتة وليس له نصيب من الأمر وليس له ملك حقيقي في أمر من الأمور (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ) ، حتى أعلى الخلق مقاما وهو النبي عليه الصلاة والسلام قال له الله جل وعلا (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ) يعني لست مالكا لشيء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت