فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 260

ترجم به المؤلف رحمه الله من اللفظين لفظ الاستغاثة والدعاء لقوله (وَيَكْشِفُ السُّوءَ) هذا في الاستغاثة، و (أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) هذا في دعوة غير الله معه، قال بعدها (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَءِلَهٌ مَّعَ اللهِ) وهذا استفهام إنكاري (أَءِلَهٌ مَّعَ اللهِ) ينكر عليهم أن يتخذ إله مع الله، بأي شيء؟ بأن يدعوا غير الله أو يتوجهوا في كشف السوء لغير الله فيما يقدر عليه إلا الله، (أَءِلَهٌ مَّعَ اللهِ قًلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) .

قال (روى الطبراني بإسناده: أنه كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم) بعضهم هنا هو أبو بكر الصديق كما جاء في بعض الروايات (قوموا بنا نستغيث برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا المنافق. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إنه لا يستغاث بي، إنما يستغاث بالله» ) من طلب الصحابة الاستغاثة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - هذا طلب جائز لأنهم طلبوا الإغاثة من النبي عليه الصلاة والسلام فيما يقدر عليه؛ لأن عليه الصلاة والسلام في هذا المقام يقدر أن يُغيث بالأمر بقتل المنافق أو الأمر بسجنه أو بتهديده أو بأخذ عقوبة عليه؛ لأنه كان يؤذي المؤمنين بتعزير أو بغيره، فإذن استغاثتهم إنما هي في قولهم (قوموا بنا نستغيث برسول الله) استغاثتهم برسول الله فيما يقدر عليه لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمهم الأدب في ذلك وعلمهم الأكمل في ذلك حيث قال (إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله) ، وحقيقة الاستغاثة على وجه الكمال إنما هي بالله جل وعلا لا بنبيه - صلى الله عليه وسلم - فكان حصل منهم نوع إلتفات للنبي عليه الصلاة والسلام فيما يقدر عليه، فبين لهم أن الواجب عليهم أن يستغيثوا بالله جل وعلا أولا فقال (إنه لا يستغاث بي) و (لا يستغاث بي) هذا نفي فيه معنى النهي؛ يعني لا تستغيثوا بي إنما أستغيث بالله في هذا الأمر، وإذا أغاثهم الله جل وعلا كفّ شر ذلك المنافق عنهم.

هذا الحديث بعض العلماء قال إن في إسناده ابن لهيعة وحاله معروف، وإيراد الأئمة أئمة الحديث للأحاديث التي قد يكون إسناد بعض مقال هذا هو الصواب إذا كان ما في الحديث من المعنى قد عضدته الأدلة من القرآن أو من السنة، وما في هذا الحديث من قوله النبي عليه الصلاة والسلام (إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله) , قد دلت عليه الآيات التي سلفت، وهذا صنيع أهل الحديث، صنيع الراسخون في العلم من أهل الحديث كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض كلام له في الفتاوى قال: أهل الحديث لا يستدلون بحديث ضعيف في أصل من الأصول؛ بل إما في تأييده -يعني في تأييد ذلك الأصل- أو في جزء من الفروع. وهذا هو صنيع الشيخ رحمه الله في هذا الكتاب، فإنهم يستدلون بأحاديث هي من جهة المعنى التي اشتملت عليه صحيحا، فقد ساق شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الحديث مستدلا به في رده على البكري المعروف بالاستغاثة، كتاب الاستغاثة الكبرى أو الرد على البكري، وقال: إن هذا حديث هو في معنى ما جاء في النصوص.

فقوله عليه الصلاة والسلام (إنه لا يستغاث بي) يعني لا تستغيثوا بي إنما استغيثوا بالله؛ لأن (يستغاث) نفي وهنا يراد به النهي.

هذا الباب ظاهر في المناسبة لما قبله ولما بعده أيضا في أنّ الاستغاثة بغير الله نوع من أنواع الدعاء، وأن الدعاء عبادة وإن الاستغاثة عبادة وصرف العبادة لغير الله جل وعلا كفر وشرك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت