فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 260

والرزق اسم عام يشمل كلْ ما يصلح أن يرزق؛ يعني أن يمنح ويعطى، فيدخل في ذلك الصحة والعافية، يدخل في ذلك المال الطعام، يدخل في ذلك البيت، يدخل في ذلك الدواب، ويدخل في ذلك أنواع ما يحتاجه المرء.

قال (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ) أصل تركيب الكلام فابتغوا الرزق عند الله، و (ابْتَغُوا) فعل أمر و (الرِّزْقَ) مفعول و (عِنْدَ اللهِ) الأصل أن يتأخر على المفعول؛ قال علماء المعاني من علوم البلاغة: إن تقديم ما حقُّه التأخير يفيد الاختصاص, فابتغوا عند الله الرزق واجعلوا ذلك الابتغاء مختصا بالله جل وعلا، هكذا يفهم العربي هذه الآية (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ) يعني فليكن ابتغاؤكم الرزق من عند الله وحده فلا تستغيثوا بغيره في طلب رزق ولا تستنجدوا بغيره في طلب رزق وإنما ذلك لله جل وعلا.

ثم قال (وَاعْبُدُوهُ) ليجمع أصناف السؤال بما يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة.

ثم قال (وقوله(وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا مِن دُونِ اللهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ) ) دلالة الآية ظاهرة في الدعاء؛ لأن الله قال (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا مِن دُونِ اللهِ) فهي ظاهرة في أن ثم داعي وثم مدعو والمدعو غير الله جل وعلا (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا مِن دُونِ اللهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ(5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِِعِبَاَدِتِهمْ كَافِرِينَ).

وجه دلالة من الآية أن استعمل كلمة (يَدْعُوا) فجاء الوصف بأبشع الضلال على من دعا من دون الله أمواتا غير أحياء، والدليل على أنه أراد الأموات ولم يرد الأصنام والأحجار أنه قال (مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ) فجعل غاية الاستجابة إلى يوم القيامة؛ المنع من الاستجابة إلى يوم القيامة، وهذه في الأموات لأن الميْت إذا كان يوم القيامة نُشر وصار يسمع ورُبما أجاب من طلبه إذْ هو حي يكون في ذلك المقال حي وهو كان قادرا، وأما الميْت -من هو في البرزخ- فهو الذي يصدق عليه وصف الله جل وعلا بقوله (مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ) .

ولفظ (مَن) في اللغة الأصل فيه أنها للعقلاء، هكذا يقول النحاة.

ونقول الأصح: أن يقال (مَن) الأصل فيها في اللغة لمن يَعلم؛ [1] يعني عند علماء النحو يقولون من للعقلاء وما لغير العقلاء والأصح أن نقول من لمن يعلم لأنها يدخل فيها الله جل وعلا في بعض الآيات.

فإذن (مَن) لمن يصح أن يعلم وهؤلاء هم من كانوا بشرا يخاطِبون ويخَاطبون ويعلمون ويُعلم منهم, قال (إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ) وهذا الوصف ليس للأصنام إنما هو للأموات ثم قال (وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِِعِبَاَدِتِهمْ كَافِرِينَ) ولذلك قال حل وعلا في سورة النحل {أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [النحل:21 - 22] .

قال (وقوله: {أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} [النمل: 62] ) هذه الآية من سورة النمل فيها أن المضطر في الدعاء إنما هي لله جل وعلا، قال (أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) هذا في الدعاء دعاء المسألة، قال (وَيَكْشِفُ السُّوءَ) وكشف السوء يكون تارة بالاستغاثة وتارة بغير ذلك، ولهذا يكون هذا القدر مكن الآية يصلح كما

(1) انتهى الوجه الأول من الشريط السادس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت