وقول الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [1]
وقال الخليل عليه السلام: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35]
وفي الحديث: «أخْوَفُ ما أخافُ عليكم الشركَ الأصغر» . فسئل عنه فقال: «الرياء» .
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من مات وهو يدعو من دون الله نداً، دخل النار» . رواه البخاري.
ولمسلم عن جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ لَقِيَ الله لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئا دَخَلَ الْجَنّةَ, وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئا دَخَلَ النّارَ» .
[الشرح]
الباب الثالث الذي بعد (باب من حقق التوحيد) هو باب (الخوف من الشرك) ، وكل من حقق التوحيد، فلا بد أن يخاف من الشرك، ولهذا سيدُ المحققين للتوحيد محمد عليه الصلاة والسلام كان يكثر من الدعاء، بأن يُبعَد عنه الشرك، وكذلك إبراهيم عليه السلام كان من الدعاء بأن لا يدركه الشرك أو عبادة الأصنام.
فمناسبة هذا الباب لما قبله ظاهرة؛ من أن تحقيق التوحيد عند أهله معه الخوف من الشرك، وقلَّ من يكون مخاطرا بتوحيده، أو غير خائف من الشرك ويكون على مراتب الكمال؛ بل لا يوجد، فكل محقق للتوحيد، كل راغب فيه، حريص عليه، يخاف من الشرك، وإذا خاف من الشرك فإنَّ الخوف -وهو فزع القلب، وهلعه، وهربه، من ذلك الشيء- فإن هذا الذي يخاف من الشرك سيسعى في البعد عنه.
والخوف من الشرك يُثمر ثمرات:
-منها أن يكون متعلما للشرك بأنواعه, حتى لا يقع فيه.
-ومنها أن يكون متعلما للتوحيد بأنواعه، حتى يقوم في قلبه الخوف من الشرك، ويَعْظُم، ويستمر على ذلك.
-ومنها أنّ الخائف من الشرك يكون قلبه دائما مستقيما على طاعة الله، مبتغيا مرضاة الله، فإن عصى، أو غفل، كان استغفاره استغفار من يعلم عِظم شأن الاستغفار، وعِظم حاجته للاستغفار؛ لأنّ الذين يستغفرون أنواع، لكن من علم حقَّ الله جل وعلا، وسعى في توحيده، وتعلّم ذلك، وسعى في الهرب من الشرك، فإنه إذا غفَل وجد أنه أشد ما يكون حاجةً إلى الاستغفار.
(1) النساء:48، 116.