فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 260

بهذا, لصلاح القلب بوّب الشيخ رحمه الله هذا الباب (باب الخوف من الشرك) ، وكأنه قال لك إذا كنت تخاف من الشرك كما خاف منه إبراهيم عليه السلام، وكما توعّد الله أهل الشرك بأنه لا يغفر شركهم، فإذن تعلَّم ما سيأتي في هذا الكتاب، فإن هذا الكتاب إنما هو لأجل الخوف من الشرك، ولأجل تحقيق التوحيد.

فهذا الكتاب موضوعٌ لتحقيق التوحيد, وللخوف من الشرك والبعد عنه، فما بعد هذين البابين؛ باب من حقق التوحيد، وباب الخوف من الشرك, ما بعد ذلك تفصيل لهاتين المسألتين العظيمتين؛ تحقيق التوحيد، والخوف من الشرك ببيان معناه وبيان أنواعه.

ذكرتُ لك -فيما سبق- أن الشرك هو إشراك غير الله معه في نوع من أنواع العبادة، وقد يكون أكبر، وقد يكون أصغر، وقد يكون خفيا.

قال الشيخ رحمه الله (وقول الله عز وجل {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} ) هذه الآية من سورة النساء فيها قوله (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) .

والمغفرة: هي السَّتر لما يُخاف وقوع أثره.

وفي اللغة: يقال غَفَرَ إذا سَتَرَ ومنه سُمِّي ما يوضع على الرأس مِغْفَرَة؛ لأنه يستر الرأس ويقيه الأثر المكروه من وقع السيف ونحوه على الرأس.

فمادة (المغفرة) راجعة إلى ستر الأثر الذي يُخاف منه، والشرك أو المعصية لها أثرها إمّا في الدنيا، وإمّا في الآخرة، أو فيهما جميعا، وأعظم ما يُمَنُّ به على العبد أن يُغفر ذنبه، وذلك بأن يُستر عليه، وأن يُمحى أثره، فلا يؤاخذ به في الدنيا، ولا يؤاخذ به في الآخرة، ولو لا المغفرة لهلك الناس.

قال جل وعلا هنا (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) ، (لَا يَغْفِرُ) يعني أبدًا، (لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) يعني أنه بوعده هذا لم يجعل مغفرته لمن أشرك به.

قال هنا (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) :

(قال العلماء: في هذه الآية دليل على أن المغفرة لا تكون لمن أشرك شركا أكبر أو أشرك شركا أصغر، فإن الشرك لا يدخل تحت المغفرة؛ بل يكون بالموازنة، ما يُغفر إلاَّ بالتوبة؛ فمن مات على ذلك غير تائب فهو غير مغفور له ما فعله من الشرك، قد يُغفر غير الشرك كما قال(وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) .

فجعلوا الآية دليلا على أن الشرك الأكبر والأصغر لا يدخل تحت المشيئة, وجه الاستدلال من الآية أن قوله (لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) ، (أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) هذه (أَنْ) موصول حرفي مع (يُشْرَكَ) فِعل، وتُقَدَّر (أَنْ) المصدرية مع ما بعدها من الفعل- كما هو معلوم- بمصدر؛ والمصدر نكرة وقع في سياق النفي، وإذا وقعت النكرة في سياق النفي عمّت, قالوا: فهذا يدل على أن الشرك هنا الذي نفي الأكبر والأصغر والخفي, كل أنواع الشرك لا يغفرها الله جل وعلا؛ لعظم خطيئة الشرك؛ لأن الله جل وعلا هو الذي خلق، وهو الذي رزق، وهو الذي أعطى، وهو الذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت