تفضّل، فكيف يتوجه القلب عنه إلى غيره؟ لا شك أن هذا ظلم وهو ظلم في حق الله جل وعلا، ولذلك لم يُغفر، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وأكثر علماء الدعوة.
(قال آخرون من أهل العلم: إن قوله هنا(لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) دالة على العموم، ولكن هذا عموم مخصوص؛ هذا عموم مراد به خصوص الشرك الأكبر (لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) يعني الشرك الأكبر فقط دون غيره، وأمّا ما دون الشرك الأكبر فإنه يكون داخلا تحت المشيئة، فيكون العموم في الآية مرادا به الخصوص، لماذا؟ قالوا: لأن القرآن فيه هذا اللفظ (أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) ونحو ذلك، ويُراد به الشرك الأكبر دون الأصغر غالبا, فالشرك غالبا ما يطلق في القرآن على الأكبر دون الأصغر، قال جل وعلا {وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [المائدة:72] ، (مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ) هنا (يُشْرِكْ) أيضا فعل داخل في سياق الشرط فيكون عامّا. فهل يدخل الشرك الأصغر والخفي فيه؟ بالإجماع لا يدخل؛ لأن تحريم الجنة وإدخال النار والتخليد فيها إنما هو لأهل الموت على الشرك الأكبر، فدلّنا ذلك على أن المراد بقوله (مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) أنهم أهل الإشراك الشرك الأكبر، فلم يدخل الأصغر، ولم يدخل ما دونه أو أنواع الأصغر، فيكون إذن فهم آية النساء على فهم آية المائدة ونحوها، {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج:31] في الشرك الأكبر، ونحو ذلك.
فيكون- إذن- على هذا القول، المراد بما نُفي هنا أن يغفر الشرك الأكبر.
ولما كان اختيار إمام الدعوة كما اختيار عدد من المحققين؛ كشيخ الإسلام وابن القيم وكغيرهما: أن العموم هنا للأكبر و الأصغر والخفي؛ بأنواع الشرك. قام الاستدلال بهذه الآية صحيحا؛ لأنّ الشرك أنواع، وإذا كان الشرك بأنواعه لا يُغفر فهذا يوجب الخوف منه أعظم الخوف؛ إذا كان الرياء لا يُغفر, إذا كان الشرك الأصغر؛ الحلف بغير الله، أو تعليق التميمة أو حلقة أو خيط، أو نحو ذلك من أنواع الشرك الأصغر؛ ما شاء الله وشئت، نسبة النعم إلى غير الله، إذا كان لا يُغفر؛ فإنه يُوجب أعظم الخوف منه، كذلك الشرك الأكبر.
وإذا كان كذلك، فيجتمع -إذن- في الخوف من الشرك من هم على غير التوحيد؛ يعني من يعبدون غير الله، ويستغيثون بغير الله، ويتوجهون إلى غير الله، ويذبحون وينذرون لغير الله، ويحبون محبة العبادة لغير الله، ويرجون غير الله رجاء العبادة، ويخافون خوف السّر من غير الله، إلى غير ذلك، يكون هؤلاء أوْلى بالخوف من الشرك؛ لأنهم وقعوا فيما هو متفق عليه في أنه لا يُغفر.
كذلك يقع في الخوف، ويكون الخوف أعظم ما يكون في أهل الإسلام الذين قد يُشركون بعض أنواع الشرك من الشرك الخفي والشرك الأصغر بأنواعه وهم لا يشعرون أو وهم لا يحذرون، فيكون الخوف إذا علِم العبد أن الشرك بأنواعه لا يُغفر وأنه مؤاخذ به؛ فليست الصلاة إلى الصلاة يُغفر بها الشرك الأصغر، وليس رمضان إلى رمضان يُغفر به الشرك الأصغر، وليست الجمعة إلى الجمعة يُغفر به الشرك الأصغر.