فإذن يُغفر بماذا؟ يُغفر بالتوبة فقط، فإن لم يتب فإنه ثمّ الموازنة بين الحسنات وبين السيئات، وما ظنكم بسيئة فيها التشريك بالله مع حسنات، من ينجو من ذلك؟ ليس ثَمّ إلا من عظُمت حسناته فزادت على سيئة ما وقع فيه من أنواع الشرك، ولا شك أنَّ هذا يوجب الخوف الشديد؛ لأن المرء على خطر في أنه تُوزن حسناته وسيئاته، ثم يكون في سيئاته أنواع الشرك، وهي -كما هو معلوم عندكم- أن الشرك بأنواعه من حيث الجنس أعظم من الكبائر؛ كبائر الأعمال المعروفة.
إذن وجه الاستدلال من آية النساء أن قوله جل وعلا (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) أن فيها عموما يشمل أنواع الشرك جميعا، وهذه لا تُغفر، فيكون ذلك موجبا للخوف من الشرك، وإذا وقع وحصل الشرك في القلب، فإن العبد يطلب معرفة أنواعه حتى لا يشرك، ومعرفة أصنافه وأفراده حتى لا يقع فيها، وحتى يحذّر أحبابه ومن حوله منها.
لذلك كان أحب الخلق أو أحب الناس وخير الناس للناس من يحذِّرهم من هذا الأمر، ولو لم يشعروا ولو لم يعقلوا، قال جل وعلا {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110] ؛ لأنهم يدلُّون الخلق على ما ينجيهم, فالذي يحب للخلق النجاة هو الذي يحذِّرهم من الشرك بأنواعه، ويدعوهم إلى التوحيد بأنواعه؛ لأن هذا أعظم ما يُدعى إليه.
ولهذا لمّا حصل من بعض القرى في زمن إمام الدعوة تردد، وشك، ورجوع عن مناصرة الدعوة، وفهم ما جاء به الشيخ رحمه الله تعالى، وكتبوا للشيخ، وغلظوا، وقالوا: إنَّ ما جئت به ليس بصحيح وأنّك تريد كذا وكذا، قال في آخرها بعد أن شرح التوحيد وضده ورغّب ورهب, قال في آخرها رحمه الله: ولو كنتم تعقلون حقيقة ما دعوتكم إليه لكنتُ أغلى عندكم من آبائكم وأمهاتكم وأبنائكم ولكنكم قوم لا تعقلون.
وهذا صحيح، ولكن لا يعقله إلاَّ من عرف حق الله جل وعلا، رحمه الله تعالى وأجز له المثوبة وجزاه عنّا وعن المسلمين خير الجزاء ورفع درجته في المهديين والنبيين والصالحين.
ثم ساق الشيخ رحمه الله بعد هذه الآية قول الله جل وعل (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) الذي دعا بهذه الدعوة هو إبراهيم عليه السلام، ومرَّ معنا في الباب قبله أنّ إبراهيم قد حقق التوحيد، وقد وصفه الله بأنه كان أمة، قانتا لله، حنيفا، وبأنه لم يكُ من المشركين، فمن كان على هذه الحال، هل يطمئن من أنه لن يعبد غير الله؟ ولن يعبد الأصنام؟ أم يظل على خوفه؟ حال الكُمَّل الذين حققوا التوحيد هل هم يطمئنون أم يخافون؟
هذا إبراهيم عليه السلام -كما هو في هذه الآية- خاف الشركَ، وخاف عبادَة الأصنام، فدعا الله بقوله: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ} [إبراهيم:35 - 36] ، فكيف بمن دون إبراهيم ممن ليس من السبعين ألفا وهم عامة هذه الأمة؟ والواقع أن عامة الأمة لا يخافون من الشرك، فمن الذي يخاف؟ هو الذي يسعى في تحقيق التوحيد.