فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 260

قال (فمن تأولَ فيها غير ذلكَ أخطأ وأضاعَ نصيبهُ وتكلف ما لا علم لهُ به) وهذا صحيح؛ لأن النجوم خلق من خلق الله ولا نفهم سرها إلا بما أخبر الله جل وعلا به, فما أخبرنا به أخذناه، وما لم يخبر به فلا يجوز أن نكلف فيه ذلك، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام «إذا ذُكر القدر فامسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فامسكوا» ، والمراد هنا بذكر النجوم يعني في غير ما جاء به الدليل، إذا ذكر القدر في غير ما جاءت به الأدلة فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي في غير ما جاء به من فضلهم وحسن صحابتهم وسابقتهم ونحو ذلك من الدليل فأمسكوا، وكذلك إذا ذكرت النجوم وما فيها بغير ما جاء به الدليل فأمسكوا؛ لأن ذلك ذريعة لأمور محرمة.

قال (وكره قتادة تعلم منازل القمر. ولم يرخص ابن عيينة فيه. ذكره حرب عنهما. ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق.) الله جل وعلا جعل القمر منازل كما قال {وَالقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالعُرْجُونِ القَدِيمِ} [يس:39] ، له ثمان وعشرين منزلا ينزل في كل يوم منزلة منها, تعلم هذه المنازل هل هو جائز أم لا؟

منعه بعض السلف كراهة.

ورخص فيه طائفة من أهل العلم وهو الصحيح؛ لأنه جل وعلا امتن على عباده بذلك قال { [هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ] [1] مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالحِسَابَ [يونس:5] وظاهر الآية أن حصول المنّة به في تعلمه وذلك دليل الجواز.

قال (وعن أبي موسى، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر» ) ووجه الاستدلال من هذا الحديث قوله (ومصدق بالسحر) وقد مر معنا أن التنجيم نوع من أنواع السحر كما قال عليه الصلاة والسلام «مَنِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ النّجُومِ، فقد اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السّحْرِ زَادَ مَا زَادَ» وإذا صدق بالنجوم فإنه مصدق بالسحر، والمصدق بالسحر لا يدخل الجنة، قال هنا (ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر) وإدمان الخمر من الكبائر، قال (وقاطع الرحم) وهي من الكبائر، (ومصدق بالسحر) وهو أيضا من الكبائر.

مما يدخل في هذا العصر بوضوح مع غفلة الناس عنه: ما يكثر في المجلات مما يسمونه البروج، يضَعُون صفحة أو أقل منها في الجرائد يجعلون عليها رسم بروج السنة: برج الأسد والعقرب والثور إلى آخره، ويجعلون أمام كل برج ما سيحصل فيه، فإذا كان المرء أو المرأة مولودا في ذلك البرج يقول سيحصل لك في هذا الشهر كذا وكذا وكذا، وهذا هو التنجيم الذي هو التأثير الاستدلال بالنجوم والبروج على التأثير في الأرض وعلى ما سيحصل في الأرض، وهو نوع من الكهانة، ووجوده في المجلات والجرائد على ذلك النحو وجود للكهان فيها، فهذا يجب إنكاره إنكارا للشركيات ولادعاء معرفة الغيب وللسحر وللتنجيم؛ لأن التنجيم من السحر كما ذكرنا، يجب إنكاره على كل صعيد، ويجب أيضا على كل مسلم أن لا يُدخله بيته، وأن لا يقرأه ولا يطلع عليه؛ لأنه وإن رأى تلك البروج وما فيها، ولو أن يعرف ذلك معرفة فإنه يدخل في النهي من جهة أنه أتى إلى الكاهن غير منكر له.

فإذا أتى إلى هذه البروج وهو يعرف البرج الذي وُلد فيه؛ ولكن يقول سأطلع ماذا قالوا عني أو ماذا قالوا سيحصل لمن ولد في هذا البرج، فإنه يكون كمن أتى كاهنا فسأله فإنه لا تقبل له صلاة أربعين ليلة.

وإذا أتى وقرأ وهو يعلم برجه الذي وُلد فيه أو يعلم البرج الذي يناسبه وقرأ ما فيه، فهذا سؤال فإذا صدقه به فقد كفر بما أنزل على محمد.

وهذا يدلك على غربة التوحيد بين أهله، وغربة حقيقة هذا الكتاب كتاب التوحيد حتى عند أهل الفطرة وأهل هذه الدعوة، فإنه يجب إنكار ذلك على كل صعيد، وأن لا يؤثِّم المرء نفسه ولا من في بيته بإدخال شيء من الجرائد التي فيها ذلك في البيوت؛ لأن هذا معناه إدخال للكهنة إلى البيوت، وهذا والعياذ بالله من الكبائر، فواجب إنكار ذلك وتمزيقه والسعي فيه بكل سبيل حتى يُدحض أولئك؛ لأن علم التنجيم أهل البروج أولئك هم من الكهنة، والتنجيم له معاهد معمورة في لبنان وفي غيرها، يتعلم فيها الناس حركة النجوم وما سيحصل بحسابات معروفة وجداول معينة، ويخبرون بأنه ما كان من في البرج الفلاني فإنه سيحصل كذا وكذا عن طريق تعلمٍ وهمي يغرهم به رؤوسهم وكهانهم.

فالواجب على طلبة العلم أن يسعوا في تبصير الناس في ذلك بالكلمات وبعد الصلوات وفي خطب الجمع؛ لأن هذا مما كثر البلاء به وأهل الإنكار فيه قليل، والتنبيه عليه ضعيف والله المستعان. نعم.

وقال الله تعالى {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنّكُمْ تُكَذّبُونَ} [الواقعة:82] .

وعن أبى مالك الأشعري - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَرْبَعٌ فِي أُمّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيّةِ لا يَتْرُكُونَهُنّ: الْفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ, وَالطّعْنُ فِي الأَنْسَابِ, وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنّجُومِ, وَالنّيَاحَةُ» ، وَقَالَ: «النّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا, تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ, وَدِرْعٌ مِنْ جَرَب» . رواه مسلم.

ولهما عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ - رضي الله عنه -، قال: صَلّى لنَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صَلاَةَ الصّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ على إِثْرِ سمَاءِ كَانَتْ مِنَ اللّيْلِ. فَلَمّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النّاسِ فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبّكُمْ؟» قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ. فَأَمّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ الله وَرَحْمَتِهِ, فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ. وَأَمّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا, فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» .

ولهما من حديث ابن عباس معناه، وفيه: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا. فأنزل الله هذه الآيات {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنزِيلٌ مِن رَبِّ العَالمَيِنَ (80) أَفَبِهَذَا الحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنّكُمْ تُكَذّبُونَ} [الواقعة:75 - 82] .

[الشرح]

هذا (باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء) والاستسقاء بالأنواء هو نسبة السقيا إلى الأنواء، والأنواء هي النجوم، يُقال للنجم نوء، والعرب والجاهليون كانوا يعتقدون أن النجوم والأنواء سبب في نزول المطر فيجعلونها أسبابا،

(1) الشيخ قال: والقمر قدرناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت