فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 260

ومنهم -وهم طائفة قليلة- من يجعل النوء والنجم هو الذي يأتي بالمطر، كما ذكرتُ لك في حالة الطائفة الأولى من المنجمين الذين يجعلون المفعولات منفعلة عن النجوم وعن حركتها.

فقوله رحمه الله (باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء) يعني باب ما جاء في نِسْبَة السُّقيا إلى النوء، وعبَّر بلفظ الاستسقاء لأنه جاء في الحديث والاستسقاء بالنجوم.

ومناسبة هذا الباب لما قبله من الأبواب أن بالأنواء نوع من التنجيم لأنه نسبة السقيا إلى النجم؛ وذلك أيضا من السحر لأن التنجيم من السحر بمعناه العام.

ومناسبة ذلك لكتاب التوحيد أنّ الذي ينسب السقيا والفضل والنعمة الذي أتاه حينما جاءه المطر يَنسب ذلك إلى النوء وإلى النجم هذا ملتفتٌ قلبُه عن الله جل وعلا إلى غيره، ومتعلِّق قلبه بغيره، وناسبٌ النعمة إلى غير الله جل وعلا [1] ومعتقد أن النجوم أسباب لهذه المسبَّبَات من نزول المطر ونحوه، وهذا منافٍ لكمال التوحيد فإن كمال التوحيد الواجب يوجب على العبد أن ينسب النعم جميعا إلى الله وحده وأن لا ينسب شيئا منها إلى غير الله ولو كان ذلك الغير سببا، فينسب النعمة إلى مُسديها ولو كان من أجرى الله على يديه تلك النعم سببا من الأسباب فإنه لا ينسبها إلى غير الله جل وعلى، كيف وأن النجوم ليست بسبب أصلا، ففي ذلك نوعان من التعدي:

أولا أنها ليست بأسباب.

والثاني أن يجعلها الله جل وعلا أسبابا وتُنسب النعم والفضل السقيا إليها.

وهذا مناف لكمال التوحيد وكفر أصغر بالله جل وعلا.

قال (وقال الله تعالى {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنّكُمْ تُكَذّبُونَ} [الواقعة:82] ) قال علماء التفسير: معنى هذه الآية وتجعلون شكر رزقكم، شكر ما رزقكم الله من النعم ومن المطر أنكم تكذبون بأن النعمة من عند الله بنسبتها لغير الله جل وعلا؛ تارة لنسبتها إلى غير الله جل وعلا. والواجب شكرا لنعم الله جل وعلا، وشكرا لله جل وعلا على ما رزق و أنعم وتفضّل أن تُنسب النعم جميعا إلى الله، وأن ينسب الفضل إلى الرب وحده دون ما سواه.

قال (وعن أبى مالك الأشعري - رضي الله عنه -، أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَرْبَعٌ فِي أُمّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيّةِ لا يَتْرُكُونَهُنّ) وقوله (مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيّةِ) هذا دليل على ذمها وأنها من شعب الجاهلية، ومن المعلوم أنّ شعب الجاهلية جميعا مطلوب من هذه الأمة أن تبتعد عنها؛ لأن خصال أهل الجاهلية مذمومة كما جاء في صحيح البخاري من حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «أبغض الرجال إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم ومطلب دم امرئ بغير حقٍّ لِيُهريق دمه، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية» فكل شعبة من شعب أهل الجاهلية إذ أُرجعت إلى أهل الإسلام بعد أن أنقذهم الله من ذلك ببعثة النبي عليه الصلاة والسلام وظهور القرآن والسنة وبيان الأحكام فإنه مبتغ في الإسلام سنة الجاهلية وهو من أبغض الرجال إلى الله جل وعلا.

إذن قوله (مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيّةِ) هذا دليل الذم وليس الإخبار بأنها باقية دليل الإباحة, قال (لا يَتْرُكُونَهُنّ: الْفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ) يعني على وجه التكبر والرفعة، (وَالطّعْنُ فِي الأَنْسَابِ) بالطعن في نسب فلان وفلان والتكذيب بنسب فلان وفلان بغير دليل شرعي ومن غير حاجة شرعية، فإن القاعدة التي ذكرها الإمام مالك وغيره من أهل العلم أن الناس مؤتمنون على أنسابهم، فإذا كان لا يترتب على ذكر النسب وأن فلانا ينتسب إلى آل فلان أو إلى القبيلة الفلانية إذا لم يترتب عليه أثر شرعي إعطاء حق لغير أهله أو بميراث أو بعقد نسبة أو بزواج ونحو ذلك فإنَّ الناس مؤتمنون على أنسابهم، أما إذا كان له أثر فلا بدّ من الإثبات سيما إذا كان مخالفا لما هو شائع متواتر عند الناس، فالطعن في الأنساب من أمور الجاهلية, قال (وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنّجُومِ) وهو نسبة السقيا إلى النجوم، ويشمل أيضا قوله الاستسقاء بالنجوم يشمل ما هو أعظم من ذلك وهو أن تُطلب السقيا من النجوم كحال الذين يعتقدون أن الحوادث الأرضية تحصل بالنجوم نفسها، وأن النجوم هي التي تُحدث المقدرات الأرضية و المنفعلات الأرضية.

قال ( «وَالنّيَاحَةُ» ، ثم قَالَ: «النّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا, تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ, وَدِرْعٌ مِنْ جَرَب» . رواه مسلم) النّيَاحَةُ من الكبائر وهي رفع الصوت عند المصيبة وشق الجيب و نحو ذلك، وهي منافية للصبر الواجب ومن خصال الجاهلية.

قال (ولهما عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ - رضي الله عنه -، قال: صَلّى لنَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صَلاَةَ الصّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ على إِثْرِ سمَاءِ كَانَتْ مِنَ اللّيْلِ. فَلَمّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النّاسِ فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبّكُمْ؟» قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ. فَأَمّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ الله وَرَحْمَتِهِ, فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ. وَأَمّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا, فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» ) قوله (على إِثْرِ سمَاءِ كَانَتْ مِنَ اللّيْلِ) سماء يعني مطر, المطر يطلق عليه سماء؛ لأنه يأتي من جهة العلو ويقال له سماء كما قال الشاعر:

إذا نزل السماءُ بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا

يعني إذا نزل المطر.

قال (فَلَمّا انْصَرَفَ) يعني من صلاة الصبح (أَقْبَلَ عَلَى النّاسِ فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبّكُمْ؟» قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.) هذه من الكلمات التي تقال في حياته عليه الصلاة والسلام، وبعد وفاته عليه الصلاة والسلام فإذا سئل المرء عما لا يعلم فليقل لا أدري أو فليقل الله أعلم، ولا يقل الله ورسوله أعلم؛ لأن ذكر علم النبي عليه الصلاة والسلام مقيد بحياته الشريفة عليه الصلاة والسلام، (قَالَ: قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ) هنا قسم العباد إلى قسمين:

مؤمن بالله جل وعلا: وهو الذي نسب هذه النعمة وأضافها إلى الله جل وعلا، وشكر الله عليها، وعرف أنها من عند الله، فشكر ذلك الرزق وحَمِد الله وأثنى عليه به.

والصنف الثاني كافر: ولفظ كافر اسم فاعل الكفر أو اسم من قام به الكفر، وهذا قد يصدق على الكفر الأصغر أو الكفر الأكبر.

(1) انتهى الشريط العاشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت