فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 260

بالحجة والبيان، نَصْرُها الذي وعدت به ليس نصرا بالسنان ولكنه نصر بالحجة والبيان، فهم وإن هزموا في بعض المعارك أو أُدينت دولتهم في بعض الأحيان فهم الظاهرون على من سواهم بالحجة والبيان، وهم المنصورون بما أعطاهم الله جل وعلا من الحجة والنصوص والصواب والحق على من سواهم فهم على الحق وسواهم على الباطل.

هذان اللفظان فرقة ناجية وطائفة منصورة اسمان لشيء واحد وإنما هو من باب تنوع الصفات، فقال عنها الطائفة المنصورة هنا (لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمّتِي عَلَى الْحَقّ منصورة) لأنها موعودة بالنصر كما قال جل وعلا {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر:59] ، فهم منصورون، كما قال أيضا {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ} [الصافات:171 - 173] ، فقولهم هو المنصور وهو الظاهر وحجتهم هي الظاهرة، وقد يكون من النصر والتمكين في أرض الله ما أعطاهم الله جل وعلا من ذلك، وهم أيضا الفرقة الناجية التي جاءت في حديث الافتراق، ناجية يعني موعودة بالنجاة من النار، فهم موصوفون بالنصر وموصوفون بالنجاة من النار، وموصوفون بالنصر على عدوهم بالحجة والبيان، وقد يكون مع ذلك نصر بالسيف والسنان ونحو ذلك. نعم.

وقول الله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَة مِنْ خَلاَقٍ} الآية [البقرة: 102] .

وقوله: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء:51] . قال عمر: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان. وقال جابر: الطواغيت كهان كان ينزل عليهم الشيطان، في كل حي واحد.

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «اجْتَنِبُوا السّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» قالوا: يَا رَسُولَ اللّهِ وَمَا هُنّ؟ قَالَ: «الشّرْكُ بِالله. وَالسّحْرُ, وَقَتْلُ النّفْسِ الّتِي حَرّمَ الله إِلاّ بِالْحَقّ, وَأَكْلُ الرّبَا, وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ, وَالتّوَلّي يَوْمَ الزّحْفِ, وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ» .

وعن جندب مرفوعاً: حد الساحر ضربُهُ بالسيف. رواه الترمذي، وقال: الصحيح أنه موقوف.

وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة، قال: كتب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال: فقتلنا ثلاث سواحر.

وصح عن حفصة رضي الله عنها، أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقُتلت. وكذلك صح عن جندب. قال أحمد: عن ثلاثة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.

[الشرح]

هذا (باب ما جاء في السحر) ومناسبة ذكر السحر لكتاب التوحيد أن السحر نوع من الشرك، وقد قال عليه الصلاة والسلام «من سحر فقد أشرك» ، فالسحر أحد أنواع الشرك الأكبر بالله جل وعلا؛ فمناسبته ظاهرة أنه مضادٌّ لأصل التوحيد.

والسحر في اللغة هو عبارة عما خفي ولطُف سببه, خفي يعني صار سبب ذلك الشيء خفيا لا يقع بظهور وإنما يقع على وجه الخفاء، ولهذا سمي آخر الليل سَحَرا لذلك، وكذلك قيل في أكْلة آخر الليل سحور وذلك لأنها تقع على وجه الخفاء وعدم الاشتهار والظهور من الناس.

فهذه اللفظة (سِحْرٌ) وما أشتقت منه تدل على خفاء في الشيء، ولهذا فإنه في اللغة يُطلق السحر على أشياء كثيرة:

-منها ما يكون في جهة المقال.

-ومنها ما يكون من الفعل.

-ومنها ما يكون من جهة الاعتقاد.

وسيأتي في هذا الباب الذي بعده عن بيان شيء من أنواع السحر ما يتصل بذلك.

وأما السحر الذي هو كفر أو شرك أكبر بالله جل وعلا فهو استخدام الشياطين والاستعانة بها لحصول أمر بواسطة التقرب لذلك الشيطان بشيء من أنواع العبادة.

والسحر عرفه الفقهاء بقولهم: السحر هو رقى وعزائم وعقد ينفث فيها فيكون سحرا يضر حقيقة ويمرض حقيقة ويقتل حقيقة.

فإذن حقيقة السحر أنه استخدام للشياطين في التأثير، ولا يمكن للساحر أن يصل إلى انفاذ سحره حتى يكون متقربا إلى الشياطين، فإذا تقرب إليها خدمته الجن -يعني شياطين الجن- بأن أثرت في بدن المسحور، فلكل سحر خادم من الشياطين يخدمه، ولكل ساحر مستعان به من الشياطين، فلا يمكن للساحر أن يكون ساحرا على الحقيقة إلا وهو يتقرب إلى الشياطين.

ولهذا نقول: السحر شرك بالله جل وعلا.

وهناك شيء قد يكون في الظاهر أنه سحر ولكنه في الباطن ليس بسحر، وهذا ليس الكلام فيه، وإنما الكلام فيما كان من السحر بالاستعانة بالشياطين وباستخدام الرقى والتعويذات والعقد والنفث فيها، وقد قال جل وعلا {وَمِن شَرِّ النَّفًّاثَاتِ فِي العُقَدِ} [الفلق:4] ، و (النَّفًّاثَاتِ) هن السواحر اللاتي يعقدن العقد وينفث فيها، خُصت الإناث بذلك بالاستعاذة؛ لأن الغالب مما يستخدمه في الجاهلية وعند أهل الكتاب أن الذي يستخدمه النساء، فجرى ذلك مجرى الغالب، قال جل وعلا (مِن شَرِّ النَّفًّاثَاتِ فِي العُقَدِ) ، و (النَّفًّاثَات) جمع نفاثة صيغة مبالغة في النفث لأنها تكثر النفث في العقدة وتنفث برقى وتعازيم وتعويذات تستخدم فيها الجن لتخدم هذه العقدة التي فيها شيء من بدن المسحور أو فيها شيء يتعلق بالمسحور حتى يكون ذلك مؤثرا فيه.

وقد سحر يهودي النبي - صلى الله عليه وسلم - في مُشط ومُشاطة؛ أي في شيء من شعره، وحتى يخيل للنبي عليه الصلاة والسلام أنه يفعل الشيء ولا يفعله من جهة نسائه عليه الصلاة والسلام؛ يعني كان سحر ذلك اليهودي مؤثرا في بدنه عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت